الاخبار الرئيسية
الخميس 17 يونيو 2021
  • C°21      القدس
  • C°26      دمشق
  • C°24      بيروت
  • C°36      طهران
اتصل بنا من نحن

القدس تفرض المعادلات

الكاتب: راسم عبيدات
تاريخ النشر: 2021-05-10 10:46:00



ليست غزة وحدها من صنعت توازن رعب مع المحتل، بل القدس في هبتها الشعبية المندلعة والمستمرة منذ بداية شهر رمضان المبارك رداً على محاولات الإحتلال وزعرانه من المستوطنين نزع الهوية العربية الإسلامية عن المدينة وقلب وقائعها الديمغرافية والجغرافية وتغيير مشهدها الكلي من مشهد عربي- اسلامي - مسيحي الى مشهد يهودي صهيوني تلمودي توراتي ....مشهد يتطلب تكثيف المحتل للإستيطان في قلب الأحياء العربية،وبالتالي القيام بأوسع عمليات طرد وتهجير قسري وتطهير عرقي بحق أحيائها الإستراتيجية على وجه التحديد الواقعة ضمن ما يسمى بالحوض المقدس ( الشيخ جراح،سلوان والطور والبلدة القديمة)....وترافق ذلك مع عمليات هدم للمنازل المقدسية بشكل كبير جداً، وفي ظل هذه السلوك العنجهي للمحتل واستراتيجياته القائمة على النفي والإقصاء للوجود العربي الفلسطيني الأصيل في هذه المدينة ،كان لا بد من " المفجر" لإحتقان متضخم ومتراكم في حرب الصراع على الهويات في المدينة والسيادة عليها ...انفجرت الهبة الشعبية النوعية في مدينة القدس،ولم تقتصر مفاعيلها على القدس، بل تعدت ذلك الى كل مساحة فلسطين التاريخية والعالمين العربي والإسلامي والفضائين الإقليمي والدولي،ووجدنا بأن مشاريع ومخططات ازالة القدس عن الطاولة،كما بشر بذلك فريق الإدارة الأمريكية اليمينية المتطرفة السابقة بقيادة المتصهين ترامب تسقط بفعل إرادة المقدسيين وصمودهم وثباتهم بتلاحم مباشر مع شعبنا واهلنا في الجذر الفلسطيني- 48 -،الذين راهن المحتل على تهويدهم وتذويبهم،لكي يصبحوا حجر الرحى ومدماك البناء في المشروع الوطني ......نعم القدس فرضت معادلات توازن ردع وأسقطت مشاريع وعرت انظمة ودول لطالما تغنت بالقدس،وكشفت بأن هذه الأنظمة شريكة في المؤامرة على القدس ومقدساتها وفي المقدمة منها أقصاها....وكذلك عرت القدس قيادات فلسطينية جعلت من القدس قميص عثمان لها،تستثمر قضيتها خدمة لمصالحها وأجنداتها الضيقة ....تمسحت بها تلك القيادات وجاءت القدس لكي تعريها وتفضحها على طريق إسقاطها ....شبان القدس وجيل ما بعد أوسلو الذين راهن المحتل على تذويبهم ودمجهم في المجتمع والإقتصاد الإسرائيلي وضخ مئات الملايين من الشواقل من أجل " كي" و" صهر" و" تطويع" وتجريف" وعيهم،إكتشف بأنهم هم من قادوا هبة القدس،جيل ما بعد كارثة أوسلو، وكذلك هم طلبتنا من الداخل الفلسطيني والقدس في مؤسسات الإحتلال التعليمية وفي مقدمتها الجامعة العبرية،قالوا نحن عرب فلسطينيون أقحاح هويتنا فلسطينية وقوميتنا عربية ...القدس حققت ما عجزت عنه سلطة بائسة خلال سبعة وعشرين عاماً،وهي تدور في فراغ ماراثون تفاوضي عبثي و"تلوك" العبارات عن أن "القدس خط احمر"، "القدس عاصمة الدولة الفلسطينية الأبدية" ..الخ . المقدسيون بهباتهم الشعبية المتلاحقة وإن كان طابعها محلي مرتبط بمفجر ينتهي مع نهاية الحدث او القضية التي اندلعت من أجلها الهبة،ولكن هذا التركيم والتزخيم في سياق صيرورة الفعل،كان يراكم المزيد من الإنجازات والإنتصارات،ولتكن مثلث الهبات ساحة باب العامود والشيخ جراح والأقصى من بداية شهر رمضان المبارك،هبات شعبية متلاحقة ومتواصلة ونوعية وفاتحة الطريق نحو التحول الى إنتفاضة شعبية شاملة، تضغط بشكل قوي على المعيق الداخلي لتطورها وتحولها الى انتفاضة شعبية شاملة ترفع شعارات سياسية وليس محلية، فالمعيق الداخلي الأكبر هو سلطة بائسة ترفض الخروج من مجرى أوسلو والتحلل من التزاماته الأمنية والسياسية والإقتصادية،كما ترفض ان يخرج قرارها من تحت عباءة المحور الأمريكي- المشيخاتي الخليجي العربي، نحو أرحب فضاء عربي - إسلامي ..
القدس فرضت معادلات توازن ردع مع المحتل في مقدمتها ميدانية،حيث الإشتباك الشعبي الواسع المباشر مع المحتل من شرطه وجيش ومستوطنيين ومن نقطة الصفر في كسر لحالة الخوف مع هذا المحتل،وفرض معادلة جديدة عليه قطع طريق يقابله قطع طريق ، محاصرة حي يقابله محاصرة حي،وللتوضيح المحتل عندما حاول أن يقطع الطريق على الحافلات القادمة من الداخل الفلسطيني لإحياء ليلة القدر في المسجد الأقصى ،بإنزال ركابها في مدخل قرية ابو غوش العربية، هب شباب القدس لنجدتهم واحضارهم الى القدس والأقصى وقطعوا الطريق السريع الواصل بين القدس وتل أبيب والساحل الفلسطيني،مما اضطر المحتل للسماح للحافلات من مواصلة سيرها نحو القدس والأقصى.
اما المعادلة الثانية فكانت قانونية بإمتياز،والمقصود هنا ليس الثقة بقضاء الإحتلال وما يتفرع عنها من محاكم بدرجاتها الثلاث (صلح ومركزية وعليا)،بل إجبار المحتل تحت ضغط الحالة الشعبية لتأجيل البت في قضية العائلات الأربعة المهددة بالإخلاء والتي كانت مقررة صباح هذا اليوم الى موعد لاحق يقرر خلال شهر تفادياً لزيادة لهيب الهبة الشعبية وأملاً في تنفيس جذوتها ومفاعيلها.
المعادلة الثالثة كانت سياسية بإمتياز،حيث قال المنتفضون بأنه لا صفقة ترامب ولا الهرولة التطبيعية للعديد من دول النظام الرسمي العربي المنهار مع المحتل ورسم تحالفات استراتيجية أمنية وعسكرية معه بقادرة على إزاحة قضية القدس عن الطاولة،حيث مفاعيل الهبة وقضية الطرد والتهجير القسري لعائلات الشيخ جراح،فرضت نفسها على صانع القرار الأمريكي وكذلك الرباعية الدولية روسيا والصين والإتحاد الأوروبي،وامتدت المظاهرات الى الكثير من العواصم والمدن العربية والإسلامية والإقليمية والدولية،المنددة بوحشية المحتل والمطالبة بوقف عمليات التطهير العرقي في الشيخ جراح غيره من الأحياء المقدسية.
أما المعادلة الرابعة فكانت في التأكيد على وحدة المصير والمسار ما بين القدس وغزة من جهة،وما بين القدس ومحور ا ل م ق ا و م ة من جهة اخرى،حيث راينا في ذكرى يوم القدس العالمي،تلك الصرخة المدوية التي أطلقها الإمام الكبير روح الله الخميني في 7/8/1979 ،بجعل الجمعة الأخيرة من كل شهر رمضان يوماً للقدس،تخرج فيه الجماهير العربية والإسلامية في كل شوارع مدنها وعواصمها في مسيرات ومظاهرات واعتصامات وعقد لقاءات وندوات نصرة ودعماً للقدس،والتأكيد على انها قبلة وبوصلة كل العرب والمسلمين بعيداً عن خلافاتهم وصراعاتهم،ومن على شاشة فضائية ا ل م ق ا و م ة الميادين في المنبر الموحد شاهدنا كل قادة هذا المحور ورجالات الدين المسلمين والمسيحيين يؤكدون على شمولية معركة القدس وبأن القدس ومقدساتها وفي المقدمة منها المسجد الأقصى خط احمر فعلى سبيل المثال لا الحصر عبد المالك الحوثي قال " الشعب اليمني حاضر في معركة القدس" والصميدعي قال " العراق ينتفض عنمدما يسمع اسم فلسطين،استذكاراً لبطولات الجيش العراقي في حرب حزيران/1967 ،والشيخ عيسى قاسم قال " القدس اليوم أقرب من كل ماضي الصراع حولها" واللواء الباقري قال " جاهزون لسحب البساط من تحت أقدم المحتل " وسماحته قال " لا مستقبل لهذا الإحتلال وهو الى زوال"..؟؟.
نعم القدس بهباتها الشعبية تفرض معادلات جديدة ،وهي تعيد طرح إعادة بناء المشروع الوطني من جديد من خلال رسم رؤيا واستراتيجية فلسطينيتين موحدتين تعيدان الإعتبار لبرنامج وطني يشمل كل التجمعات الفلسطينية مع مراعاة خصوصية كل تجمع ،قدس،ضفة غربية، قطاع غزة ،داخل فلسطيني ،لجوء وشتات.