الاخبار الرئيسية
السبت 27 فبراير 2021
  • C°12      القدس
  • C°1      دمشق
  • C°12      بيروت
  • C°3      طهران
اتصل بنا من نحن

هل تنسحب أمريكا من سورية

الكاتب: نبيل أحمد صافية
تاريخ النشر: 2020-12-28 13:57:00

هل تنسحب أمريكا من سورية ؟ وما استراتيجيّاتها المستقبليّة فيها ؟!.... ما من شكّ أنّ أيّة قوّة تدخل أرضاً ليست لها لن تخرج منها بمحض إرادتها إلّا بعد أن تسعى لتحقيق ما جاءت من أجله ، وكان الاحتلال وسيلة لتحقيق الأهداف المراد تنفيذها ، فما الأسباب التي دعت الولايات المتّحدة الأمريكيّة لاحتلال أراضٍ سوريّة ، وهل ستنسحب من تلك الأراضي التي قامت باحتلالها ؟ وهل سنرى استراتيجيّة أمريكيّة جديدة في المنطقة ؟ ، وهل سنشهد تغييراً بأسلوب الضّغط الذي يُمارَس على سورية ؟!. فمن المعلوم أنّ الولايات المتّحدة الأمريكيّة و( إسرائيل ) عملتا على دعم اجتياح " الرّبيع العربيّ " للدّول العربيّة الذي تمّ تحت مسمّيات عديدة مختلفة كالفوضى الخلاّقة أو العالم الجديد أو الشّرق الأوسط الجديد ، فزوّدتا الإرهابيين بالأسلحة وقامتا بتجنيدهم لخدمة مصالحهما وتآمرتا مع عدد من المسؤولين في سورية ذوي النّفوس الضّعيفة الذين عملوا لخدمتها سواء كانوا خارج الدّولة أم داخلها بعد أن تمّ العمل على تهيئة الظّروف المناسبة لذلك منذ تاريخ 15/3/2011م يوم الجمعة ، وكانت إسرائيل تقوم بالاعتداء على الأراضي العربيّة السّوريّة دعماً ومساندةً للإرهابيين وسعياً لضرب مواقع إيرانيّة في سورية ، ولا تزال حتّى الآن تقوم بتلك الاعتداءات ، ولو أنّ سورية قامت بالرّدّ على العدوان الصّهيونيّ منذ بداية الأزمة لاستطاعت أن توئد تلك المؤامرة قبل تفاقمها ، ولما استطاعت تلك الجماعات احتلال أراضٍ سورية داخليّة ، وهي التي مهّدت لدخول قوّات احتلال متعدّدة لربوع سورية لتنهب خيراتها وتسهم في دمارها . وأعتقد أنّ الولايات المتّحدة الأمريكيّة لن تنسحب من المنطقة ، وهي كانت تدّعي أنّها ستنسحب ، ولكنّ هذا الأمر إعلاميّ فقط ولن يتحقّق على أرض الواقع ، وهذه الاستراتيجيّة التي تدّعيها أمريكا ستبقى ضمن الخطاب الإعلاميّ الذي لن يجد صداه في المستوى المنظور حتّى لو سحبت جزءاً من قوّاتها أو آليّاتها العسكريّة سواء من الحسكة أم من غيرها أو حتّى من العراق أو سواها ، وإنّي لا أرى أنّ هذه الانسحابات التي تقوم بها الولايات المتّحدة _ رغم ادّعائها بالانسحاب _ ما هي إلّا ذرّ الرّماد في العيون ، وضمناً من ذلك ما ادّعاه وزير الدّفاع الأمريكيّ كريستوفر ميلر برسالته للجنود الأمريكيين التي قال فيها : " حان وقت العودة إلى أرض الوطن ، كثيرون تعبوا من الحروب لكنّها المرحلة الحاسمة التي تتحوّل جهودنا من القيادة إلى الدّعم ، إنهاء الحروب يتطلّب تنازلات وشراكة ، واجهنا التحدّي وبذلنا كلّ ما في وسعنا ، الآن حان وقت العودة إلى الوطن " . وتمّ الادّعاء أنّ الرّئيس الأمريكيّ المنتهية ولايته ترامب أقال وزير دفاعه السابق لأنّه عارض سحب القوّات ، وهذا الأمر _ وفق اعتقادي _ غير دقيق ، ذلك أنّ الولايات المتّحدة كثيراً ما كانت تتحدّث عن الانسحاب سواء من سورية أم من غيرها ، ولكنّه في الواقع لا يعدو عن كونه إعادة انتشار ليس غير ، رغم ما يتردّد أيضاً على لسان الكولونيل دوغلاس ماكريغور مستشار وزير الدّفاع الأمريكيّ الذي قال : "يجب سحب القوّات الأمريكيّة من سورية فوراً ، وليس لأمريكا مصلحة وطنيّة ببقائها " . وتَبَعاً لما ذكرتُ فإنّني أستبعدُ أن يكون هناك تحوّل استراتيجيّ في المنطقة ما لم ينفّذ ترامب تهديده لإيران ، ولا أظنّ أنّ تلك التّهديدات ستتمّ وينفّذها ، رغم أنّ هناك تسريباتٍ إعلاميّةً حولها ، وفي حال تمّ التّنفيذ فسيسبقها الانسحاب من بعض المناطق خشية ردٍّ إيرانيٍّ متوقّعٍ ، ومن الأهمّيّة بمكان الإشارة إلى أنّ أمريكا أرسلت قاذفة ( ( B-52 العملاقة إلى الشّرق الأوسط بمهمّة خاصة . وقبل الإشارة للاستراتيجيّة الجديدة لبايدن في المنطقة أو وجود تغييراتٍ بأسلوب الضّغط الذي يُمارَس على سورية ، فإنّني أودّ الإشارة لما قاله بلينكن مستشار السّياسة الخارجيّة للرّئيس الأمريكيّ المنتخَب بايدن ، وهو يتحدّث عن سياسة بايدن في سورية وفق ما جاء في شبكة ( سي بي اس ) فقد أكّد أنّ بايدن سيحتفظ بوجود عسكريّ في سورية لتكون وسيلة ضغط على سورية من أجل القبول بالتّفاوض للانتقال للحلّ السّياسيّ وتقديم المشورة لــ ( قسد ) وتأمين حقول النّفط ، وهي ليست من أجل النّفط فقط ، ولا يغيب عن الأذهان أيضاً أنّ بايدن انتقد ترامب لقراره سحب القوّات الأمريكيّة من سورية ، وقد وصفه بقرار شائن ؛ وأنّ من شأنه أن يوفّر فرصة جديدة لداعش بالحياة ، وإنّي أرى أنّ تلك التّصريحات تعكس حالة أو نظرة استراتيجيّة ورؤى مسقبليّة سوف تشهدها المنطقة السّوريّة ، وقد نشهد بالتّالي تغييراتٍ بأسلوب الضّغط الذي تمارسه الولايات المتّحدة على سورية بهدف توفير البيئة المناسبة من وجهة نظرٍ أمريكيّةٍ لإيجاد حلٍّ سياسيٍّ ، ولكنّ هذا لا يعني عدم عودة العلاقات السّوريّة الأمريكيّة ، فقد أشار لذلك أنطوني بلينكن مستشار السّياسة الخارجيّة للرّئيس الأمريكيّ المنتخَب بايدن وتحدّث عن " إمكانية قبول الإدارة الجديدة بتطبيع العلاقات مع سورية والسّماح بذلك" . وقد ذكرتُ قبلاً في حوار لوكالة مهر للأنباء قبل ثلاث سنوات أنّ وجود القواعد العسكريّة الأمريكيّة يحمل أهدافاً عسكريّة وسياسيّة بعيدة المدى ، وليست آنية فحسب ، وإنَّ وجودها يهدف أوّلاً لخلق توازن مع وجود القوّات العسكريّة الرّوسيّة ، ويحقّق خدمةً لأغراض عسكريّة وسياسيّة واقتصاديّة في مناطق القواعد داخل الأراضي السّوريّة ، والحفاظ على الأكراد لضمان استقلالهم لاحقاً بعد توحيدهم في دولة واحدة ، وهذا ما يخدم أمن إسرائيل من وجهة نظرها . وإنّ التّغلغل الأمريكيّ في المنطقة هو محاولة للسّيطرة على المعابر مع العراق ، والسّيطرة على منابع النّفط ومناجم الفوسفات وتهريب الآثار الموجودة في تلك المناطق ، ورسالة لتركيّا باستبدال قاعدة أنجرليك بأخرى على الأراضي السّوريّة ، موضّحاً أنّ أمريكا لم تعلنها صراحةً ، بل زعمت تدريب قوى المعارضة الكرديّة وسواها في مواجهة داعش والإرهاب ، وتوفير الدّعم لحزب الاتّحاد الدّيمقراطيّ الكرديّ ، وتأمين إعادة النّازحين السّوريين إلى مناطق آمنة ، ومحاولة السّيطرة على بعض الأراضي السّوريّة لبسط نفوذها ونفوذ عملائها لتحقيق إنجاز استراتيجيّ لها ، وتقديم الدّعم اللوجستيّ والعسكريّ والجويّ لقوى المعارضة المسلّحة " الإرهابيَّة " ، فهل ستنسحب إذا كانت تسعى لتحقيق مصالحها في سورية وفق رؤاها المستقبليّة وما جاءت من أجل تحقيقه ؟!. وسورية بطبيعة الحال ترفض وجود أيّة قوّات أجنبيّة فوق أرضها من دون التّنسيق مع الحكومة الرّسميّة ، من أيّة جهة كانت ، وتعدّه عدواناً ما لم يكن بالتّوافق والاتّفاق أو التّنسيق معها ، إلّا أنّ أرضها أضحت خصبة لوجود قوّاتٍ وقواعدَ أجنبيّة متعدّدة الجنسيّات التي أتت أو أُنشِئت دون موافقة الحكومة السّوريّة أو تنسيق معها كوجود القوّات العسكريّة الأمريكيّة والبريطانيّة والألمانيّة ، فقد بنت كلّ منها قواعد عسكريّة خاصة بها ، وأسّست لها فوق الأرض السّوريّة تحت مزاعمَ مختلفةٍ ، وأرادوها دائمة بينما رفضت سورية وجود القواعد الأمريكيّة. وأعتقد أنّ الانسحاب الأمريكيّ من سورية لن يتمّ إلّا عبر مقاومة شعبيّة أو عبر اتّفاق السّلام المتوقّع مع إسرائيل ، ذلك الاتّفاق الذي أشار إليه السّيّد الرّئيس الدّكتور بشّار الأسد في تصريح عبر مقابلة سابقة من العام الحالي لوكالة سبونتيك الرّوسيّة قبل شهرين ، فقال : " سورية مستعدّة لإقامة علاقات طبيعيّة مع إسرائيل عندما نستعيد أرضنا " ، وهذا الاتّفاق _ برأيي _ سيعيد رسم الخارطة السّياسيّة في المنطقة وأعتقد في العالم ، ولعلّ يوسي بيلين أحد مهندسي اتّفاقيّات أوسلو قد أكّد ذلك عندما نقل عن بايدن قوله : " إنّ تطبيع العلاقات بين سورية وإسرائيل أولوية لدى الرّئيس الأمريكيّ المنتخب جو بايدن " ، وقال أيضاً نقلاً عن بايدن : " السّلام مع سورية من وجهة نظر الولايات المتّحدة سيؤدّي إلى تغيير استراتيجيّ ". وإنّ من أهمّ نتائج الاتّفاق الذي ترعاه روسية والولايات المتّحدة إنهاء العزلة الدّوليّة لسورية ، وإعادة ترتيب العلاقات مع الدّول الغربيّة وعلى رأسها الولايات المتّحدة الأمريكيّة ، وإخراج القوّات التي تحتلّ سورية إن كانت الأمريكيّة أو التّركيّة وقوّات هيئة تحرير الشّام من إدلب وقوّات سورية الدّيمقراطيّة من شرق الفرات وكذلك تنظيم داعش من البادية السّوريّة وكذا الحال للقوّات الصّديقة كروسيا مع بقاء القواعد العسكريّة الضّرورية لها سواء في حميميم وغيرها بما يتمّ الاتّفاق عليه مع سورية ، وكذلك بعض القوّات الإيرانيّة مع ضمان سياسيّ واقتصاديّ لهما رغم أنّ هيئة مستشارين إيرانيين أكثر من كون تسميتهم قوّات ، وعودة سورية لمكانتها الطّبيعيّة عربيّاً ودوليّاً وتحقيق التّعاون الإقليميّ وتعاون سورية مع محيطها لمزيد من التّرتيبات الأمنيّة في العراق وغيره أيضاً ، ومن الطّبيعيّ أن تتمّ عودة العلاقات العربيّة معها بعد رفع الحظر المفروض على الدّول العربيّة للانفتاح العربيّ نحو سورية . وسننتظر قادم الأيّام وما ستحمله ، رغم أنّ كثيراً من السّياسيين يشكّكون بأنّ اتّفاق السّلام لن يتمّ بين سورية وإسرائيل ، مع أنّ هناك مؤشّرات عدّة تمّ بحثها وإثباتها ونشر مضمونها في ( الوكالة العربيّة للأخبار ) و( الحدث اليوم ) خلال الشهر الحالي ، وربّما أكون جازماً إذا قلت : إنّ معظم الشّعب العربيّ السّوريّ قد غدا قابلاً أيّ شيء يحقّق أمنه واستقراره وسلامه بغضّ النّظر عن التّطبيع والتّطبيل ، وأعتقد أنّ العام القادم سيحمل مفاجآت للمشكّكين أو المنفعلين السّلبيين والمنافقين الذين سيغرّدون بعد التّطبيع بالاتّفاق _ وكأنّهم الآن يقفون ضدّ السّيّد الرّئيس الدّكتور بشّار الأسد فيما ذهب إليه عندما أبدى " استعداد سورية لإقامة علاقات طبيعيّة مع إسرائيل عندما نستعيد أرضنا " ، ويتمّ بالتّالي إخراج القوّات الأجنبيّة من سورية ، وهم أنفسهم الآن يشكّكون ويتذمّرون وينفون وينافقون ويتشدّقون باستعمال مصطلحات الرّجعيّة العربيّة والامبرياليّة والرّدع والمقاومة والصّمود والتّصدّي والتّحرّر والممانعة في خطابهم الرّسميّ ، وسننتظر ونتابع كيف سيغدو ذلك الخطاب لاحقاً ؟!.

الباحث والمحلّل السّيّاسيّ : أ. نبيل أحمد صافية وعضو اللجنة الإعلاميّة لمؤتمر الحوار الوطنيّ في سورية