الاخبار الرئيسية
الاثنين 01 مارس 2021
  • C°11      القدس
  • C°15      دمشق
  • C°13      بيروت
  • C°10      طهران
اتصل بنا من نحن

《العودة إلى ثقافة أبو جهل وأبو لهب!!..》

الكاتب: راسم عبيدات
تاريخ النشر: 2020-12-13 22:42:00



العشائرية والطائفية موجدتان في حالة من الكمون في كل بلد، وتظهر هذه الظواهر وتتجلى بشكل واضح في المجتمعات المتخلفة، والدول أو البلدان التي تحكمها أنظمة مغرقة في الفئوية والسلفية والظلامية والديكتاتورية، والتي تضطهد الجماعات العرقية والمذهبية في بلدانها، وتأخذ هذه الظواهر شكل الانفجار والاحتراب العشائري والقبلي، في المراحل التي تغيب فيها السلطة وتعم الفوضى العارمة. ويغيب فيها الأمن والأمان، وكذلك عندما تتخلى أو يكون باهتاً دور الأحزاب والقوى الديمقراطية ومؤسسات المجتمع المدني في التوعية والتربية على أسس وطنية وقومية، أو التصدي لمثل هذه الظواهر والمظاهر.

وفي واقعنا العربي والفلسطيني هناك الكثير من الأمثلة المعاشة، ففي المجتمع الفلسطيني وبعد قدوم سلطة أوسلو ضربت كثيراً من القيم والمفاهيم، وتم هتك الكثير من قيم التعاضد والتكافل الاجتماعي، لكون هذه السلطة بدلاً من أن تعزز من القيم والمفاهيم الوطنية والديمقراطية، نشرت عوضاً عنها وعززت الكثير من المفاهيم العشائرية والقبلية والجهوية، وأصبحت المليشيات سواءً، منها العشائرية أو التنظيمية، هي التي تتحكم في المصير والشأن العام ليس الحياتي فقط، بل والوطني وفي ظل غياب السلطة والقانون.

رأينا حالة واسعة من الارتداد والانسحاب نحو القبيلة والعشيرة والطائفة، وأصبحت أية مشكلة شخصية بين شخصين تتحول إلى اقتتال واحتراب عشائري شامل، أما إذا ما كان الشخصان من بلدتين مختلفين، فيجير الصراع نحو الجهوية، وإذا ما كان الشخصان من طوائف أو مذاهب مختلفة، فيأخذ الصراع النزعة والمنحى الطائفي، وهذه المفاهيم والقيم السلبية آخذة في التعزز والترسخ في المجتمع ليس بفعل الاحتلال الذي يعمل على نشرها وتعميقها، بل هي بالأساس نتاج وعي متخلف ومشوه، وغياب مفاهيم التربية الوطنية والديمقراطية، والعصبويات الجهوية والقبلية والفئوية التي قامت عليها السلطة، ونحن نشهد حالياً بعد ظاهرة الانقسام الجغرافي والسياسي الفلسطينية، تعمقاً وانتشاراً واسعاً لهذه الظاهرة، حيث تستفيد العصابات و"المافيات" من حالة الانفلات الأمني والانقسام السياسي الحاصلة، في تعزيز دورها ونفوذها، وتجد لها حواضن في العديد من الفصائل والأجهزة.

وهذه الظواهر تأخذ تجلياتها على شكل طائفي في لبنان ومذهبي في العراق، حيث نلحظ الوعي السياسي الطائفي المشكل في لبنان، والمتشكل في العراق بعد الاحتلال وديمقراطية بوش المزعومة للعراقيين، فلم يعد هناك تحرج في أن يجاهر أي نائب أو وزير عن هويته الطائفية، بدل أن يعبر عن هويته الوطنية والقومية، فيجري الحديث عن الموقف المسيحي اللبناني، وفي إطاره الكثير من التفاصيل، المسيحي الماروني والمسيحي الأرثودكسي والمسيحي الأرمني وغير ذلك، وهذا ينسحب على باقي الطوائف والملل، ومما يؤشر إلى أن هذه الطوائف لم يعد يوحدها لبنان وعروبته وقوميته، وفي العراق حيث أن الاحتلال الأمريكي في سبيل مصالحه وأهدافه، يريد تقسيم وتجزئة وتذرير العراق، وإغراقه في أتون المعارك والحروب الطائفية والمذهبية والقبلية، ويساعد في تنفيذ هذا المخطط أدوات وسلطه عراقيه جرى تنصيبها، من قبل الاحتلال الأمريكي، تسهم بشكل فاعل في تنفيذ هذا المخطط، حيث رأينا القتل على الهوية من قبل عصابات ومليشيات مأجورة، ناهيك عن سلطة تعمل على تفتيت وتقسيم العراق وسلخه عن هويته وقوميته العربية، لصالح هويات واثنيات أخرى تمس جوهر تاريخه وجغرافيته وهويته.

إن العودة إلى ثقافة أبو جهل وأبو لهب، ثقافة العشيرة والقبيلة، ونصرة الفرد لعشيرته، ليس على غرار الحديث النبوي بالوقوف إلى جانب المظلوم ورفع الظلم عنه، وردع الظالم عن ظلمه، بل الوقوف إلى جانبه ومناصرته، حتى لو كان على خطأ، وهذه الثقافة وما يترتب عليها من أمراض اجتماعية، تفعل فعلها في بنية وهياكل ومؤسسات المجتمع، من شأنها منع بناء مجتمعات حداثية وحضارية تقوم على أساس التعددية والتسامح والديمقراطية والمواطنة الكاملة، ونحن نرى في ظل العولمة أن هناك استباحة كاملة من قبل الرأسمال المعولم لكامل المنطقة العربية، وبما يدمر كل قيمها وأخلاقياتها وثقافاتها وانتماءاتها وهويتها، ويخرب اقتصادها ويدمر القطاع العام، ويزيد من إفقار هذه البلدان،ويخلق وينصب أدوات سياسية واقتصادية تتحكم بمصيرها، تكون مرتبطة مباشرة من خلال المركز الرأسمالي المعولم.

إن المواجهة والتصدي لمظاهر العودة الجامحة لثقافة أبو جهل وأبو لهب، هي مسؤولية كل القوى والأحزاب ومؤسسات المجتمع المدني، والتي تنادي بقيم العدل والمساواة والتسامح والتعددية، وتناضل من أجل إقامة مجتمعات ديمقراطية تقوم على أساس المواطنة الكاملة، وبعيداً عن الجنس والدين والطائفة والمنشأ الاجتماعي، وهذا النضال لن يؤتي أكله وثماره من خلال عمليات التحريض والتوعية والتثقيف، بل لا بد من ممارسة ذلك على الأرض وفي سياق عملية كاملة ومتكاملة، وليس من خلال العمل الموسمي، فعلى سبيل المثال الحديث عن الإخاء المسيحي- الإسلامي، لا يتأتى ويكون من خلال بعض الندوات واللقاءات والمحاضرات المشتركة، بل هذا بحاجة إلى أن تكون هناك نصوص واضحة في المناهج التعليمية والتربوية، ومؤسسات ترعى عمليات تربوية وتثقيفية مشتركة بين الفئات العمرية من مرحلة الطفولة وحتى الجامعات، وكذلك يجب أن تكون هناك سلطة تكرس هذه المفاهيم من خلال الفهم والاقتناع بها، وليس شعارات تطلق للاستهلاك المحلي، ومجرد "هوبرات إعلامية"، وبدون بنية مجتمعية تقوم على أساس فهم وتربية وطنية، فإننا سنبقى غارقين في ثقافة الجهل والتخلف. هذه الثقافة التي لن تنتج مجتمعات حداثية وحضارية، وما زال يسود في الكثير من المجتمعات العربية، فهم فلاح ومدني،أو كما هو حال المجتمع الفلسطيني ضفاوي وغزاوي وقدسي..الخ، مدني ولاجئ وغيرها من المفاهيم والتعبيرات التي تضرب وحدة الشعب، وهذا الحال ليس قصراً على المجتمع الفلسطيني، بل هو السمة الغالبة في كافة المجتمعات العربية، والتي جميعها بسبب غياب هذا البعد وغياب الانتماء للوطن بدل العشيرة والقبيلة والجهة والطائفة، والثقافة التي تلغي دور العقل الباحث وتعطل الاجتهاد، وكذلك القيادات الديكتاتورية والشمولية وغياب الديمقراطية ومؤسسات المجتمع المدني، فإن أول هزة يتعرض لها أي نظام، كفيلة ببروز الكثير من التناقضات والتعارضات المجتمعية، والتي تصل حد الاحتراب والاقتتال العشائري والقبلي والجهوي والمذهبي، وبما يدمر المجتمع ويهتك ويفتت وحدنه وتماسكه، وطبعاً ما يحدث تغذيه قوى مغرقة في الجهل والتخلف، أو لديها مصالح وأجندات مرتبطة بقوى خارجية، تعمل ضد مصلحة وطنها وشعوبها.

إن كل القوى الحية والمتنورة والمؤمنة والمقتنعة بهويتها العروبية وقوميتها، والتي تناضل من أجل مجتمعات تسودها التعددية الفكرية والسياسية، وتصان فيها الكرامة والحرية الشخصية، وتمارس قيها الديمقراطية والتداول السلمي للسلطة، ويسود فيه القانون والمساءلة والمحاسبة وغيرها،هي التي يراهن عليها في حماية وصيانة المجتمع من العودة لثقافة أبو جهل وأبو لهب، والتي لن تجلب للمجتمعات العربية سوى المزيد من التفكك والشرذمة والصراعات المذهبية والعرقية والعشائرية والجهوية والقبلية.
بقلم : راسم عبيدات