إغلاق
إغلاق
البحث
أبحث عن:
في حَضرة الغامض المُبهَم موتٌ في الله
الكاتب : اوشو | الجمعة   تاريخ الخبر :2016-07-15    ساعة النشر :13:46:00
هُوَ ليس بوجود، ولا هُوَ بِعَدَمِ وجود

 

العجزُ عن البَوْحِ بوجوده أو عدم وجوده، هو سيِّد الموقف،

 

… ولا هُوَ فناء، ولا هُوَ امتلاء

 

العجزُ عن البوحِ بأنّه الفناء الخالي من الأشياء أو الكلّ حاوي جميع الأشياء، يبقى سيِّدَ الموقف

 

… يا لغموضه وتَعَذُّرِ فَهمه، تجاوزَ كلّ مَحسوسٍ مُدْرَك

 

 

ما اهتدَت الكلماتُ القادرة على قِياسِه وإفهام العقول حالِهِ، إلى عنوان الخَلْق فالتجسُّد فالحياةلا وجود لهكذا كلماتوإنّ كلماتِ الوجود أجمَع لهِيَ أشبَه بملاعِقٍ ضئيلة صغيرة، وهو المُحيط الذي تعجزُ تلك الملاعق عن احتوائهمداركنا عاجزة عن القياس، وأيدينا لن تتمكن من احتضانِ مُطْلَقٍ ما بدأَ ولن ينتهي، وأفهامنا غاية في الصِّغَر أمام تمَدُّده الأبدي اللانهائي الذي يحوي داخل أبدية مداه، المدىهو اللامحدود واللاحدود: … يا لغموضه وتَعَذُّرِ فَهمه، تجاوزَ كلّ مَحسوسٍ مُدْرَك.

 

 

يقولُ رحيم:

 

كلماتٌ تحاولُ الظّهور في حَضرة الغامض المُبهَم، هي كلمات لن تُقال ولن تُسمَع،

 

أولئك الذين يعرفون لن ينطِقوا، وأولئك الذين ينطِقونَ ما عرفوا

 

كلماتٌ تحاول الظهور في حضرة الغامض المُبهَم…”

 

 

حاولوا أن تفهموا معنى الغامِض المُبهَمإنه صاحب العُمق الذي لا يُمكِن أن تُسْبَرَ أغواره، ولا أن تُقاسَ أبعاده، ولا أن تُحصَرَ فتُدرَك أحوالهإنه العُمق الذي تجاوزَ الأعماق نفسها، والغامض الذي يأبى أن تجدَ له تعريفاً أو حَصْراً إو إدراكاً أو قِياساًعمقُهُ تجاوز المُنتهىأمّا أولئك الذين قفزوا في عُمقِ أعماقه راجينَ قياسه بفهمه وإدراكه، فقد ذابوا فيه رويداً رويداً، فما عادوا وكان لهم مُستقَرّاً.

 

 

لا يقتصِرُ معنى الغامض المُبهَم على أنه هو المجهول الذي لن يُعْلَمَ ويُعرَفَ أبداًلا بدّ من أن يُعرَف المجهول ويُكشفَ السّتارُ عن محتواه يوماًالله ليس بمجهول، وهنا يقعُ الفرقُ بين العِلْم والدّين الحقيقييبوحُ الدين الحقيقي بأنّ للأشياء في الكون ثلاثة أنواعالمَعلوم الذي عُرِفَ، والمجهول الذي سوف يُعرَف، والغامض المُبهَم الذي لم يُعرَف ولن يُعرَفَ أبداًأما العِلْم فيؤمنُ بوجود فئتين في الكونالمعلوم والمجهوللكن الغامض المُبهَمهي المبنى الذي يختبىءُ جوهر الدين وحقيقته الكاملة بداخلههوَ ما لم يُعرَف ولن يُعرَفَ أبداً، لأنّ غموضه هو بغموضٍ وخَفى يقود الباحثِ عنه إلى اختفاءٍ وفناء.

 

 

كلماتٌ تحاولُ الظّهور في حَضرة الغامض المُبهَم، هي كلمات لن تُقال ولن تُسمَع،

 

وبعد فناء الباحث نفسه، مَن سيبقى لكي يحكي عمّا حدث؟ مَن سوف يحكي وماذا سيحكي وكيف سيحكي؟ يا لركاكة جميع الكلمات وضآلة حَجمها وعجز مُحتواها وقلّة حيلتها.

 

 

أيُّ كلامٍ سوف يصِفُ به أحدكم صباحَ يومٍ أشرَقَتِ شمسُه فاحتَضَنَت حديقة منزله بدفءِ لونٍ ذهبيٍّ ساطعٍ مُنير، بينما يُداعبُ النّسيمُ الحنون أوراق الأشجار التي تستيقظُ من نومها، ورائحة الأرض النقيّة الحيّة العَطِرة تفوحُ في الأجواء… لعلّ السّماءَ أمطرَت وجادَت على الجوِّ برائحةٍ قدسيّةها هي قطرات النّدى تتوهَّجُ مثل لآلىءٍ مُضيئة فوق الأعشابوالطّيور بدأت الغناء لتوّهاالأزهار تتفتّح هناك، واللوتس تفتح بتلاتهاهذا الشّخص يرى كلّ هذا إذ لا يتجاوز ما يراه حدَّ فَهمه وإدراكه وحواسهكلّ هذا ليس بمجهولٍ له، بل مَعلومها هو يختبرُ هذا الجمال ويحياه، فإنْ طلبَ منه أحدهم وَصفَ هذا الإختبار بكلمة أو مجموعة كلمات، ماذا سيقول؟ جميل؟ غاية في الجمال؟ هل هذا وصف؟ هل يحوي تعبير غاية في الجمال” شُعاعاً من أشعة الشمس الدافئة؟ أو عطراً من عطور روائح الأرض الحيّة النقيّة؟ أو بتَلة من من بتلات زهرة اللوتس المُتَفَتّحة؟ أو أغنية من أغنيات الطيور؟ أو توهُّج من قطرات النّدى؟ أو شيئاً من اخضرار الأشجار؟ أو لمحة عن السماء الزرقاء؟… لا يحوي هذا التعبير أيّ شيءماذا في تعبير غاية في الجمال؟ لا شيء على الإطلاقمجرّد أحرف قليلة مُنتقاة من حروف الأبجدية.

 

 

هل ستُضيءُ كلمة مصباح” ليْلك إن قمتَ بكتابة الكلمة نفسها على ورقة، ثم على جدار غرفتك علّقتها؟ ظلام الليل حالك ولسوف يبقى حالكاًلن يُنيرَ الحديث عن المصابيح غرفتك.

 

 

أغنياتنا وكلماتنا ونصوصنا وكتبنا الدينية المقدسة، جميعها عاجزةحتى أنّ العجز مصير وصف التجارب الدنيوية المادية.حتى هكذا تجارب عَصيّة على الشرح والوصف.

 

 

أمٌّ تُحِبُّ طفلهاكيف تحكي وماذا تقول؟ ما الذي تحويه كلمةحب؟ أيُّ إنسان قادر على ترديدهاهناك مَن يقول أحبُّ الآيس كريم“. بعضهم يقول أحبُّ سيّارتي كثيراً“. ما الذي يبقى من كلمة حبّ” بعد استخدامها للسيارة وللآيس كريم؟

 

 

كلماتُنا عاجزة ضعيفةكلماتٌ نستخدمها في شتّى السّياقات ونمنحها ما شئنا من المعاني، إلّا أنّ لهذه الكلمات حدودهي حتّى عاجزة عن احتواء اختبار دنيوي مادّيفماذا عن التجربة المُطْلَقة؟ تجربة الأبدي السرمدي حينما تغدو الأفكار خاشعة في صمتٍ مَهيب، ويصبحُ الفردُ معبَداً خالياً من المحتويات فيتجاوز اللغة ويحلِّقُ بعيداً جداً عنها، ويهجرُ تعقيدات المنطق تاركاً إياها خلفه ليتجسّد الذي لم يبدأ ولن ينتهي… مَن سيحكي هذا الإختبار؟ الجميع عاجزٌ عن شرحه ووصفه والتعبير عنه.



تعليقات الزوار