إغلاق
إغلاق
البحث
أبحث عن:
الموهبة تحتاج تربة الإبداع وماء الإعلام وضوء الرعاية.
الكاتب : ديما مصلح وإلهام علي يونس | السبت   تاريخ الخبر :2020-06-20    ساعة النشر :00:12:00

الموهبة تحتاج تربة الإبداع وماء الإعلام وضوء الرعاية.
خاص لموقع الحدث اليوم
"يقضي الرجل معظم حياته وهو يخربش على هوامش أنثى."
الأديب أكثم علي ديب وبلفتة كريمة منه ودعما منه للأدباء الشباب العرب وعبر حسابه الخاص، أقام مسابقة أدبية لجميع المواهب الشابة " شعر، قصة، خاطرة، نثر" ومشاركة عدد كبير من الأدباء الشباب وفيمايلي أسماء الفائزين بالمسابقة..

الأديبة حلا إسماعيل..

يتوجب عليَّ أن أفعل شيئاً .. كيف لي أن أنقذهم ؟ ماذا يمكنني أن أفعل من موقعي الضعيف هذا !
حاولتُ متحديةً خوفي أن أرمقهم بثبات علّني أحفظ ملامحهم أو أعرف أحداً منهم مصادفةً! .. عشرون شاباً يصطفون بقلقٍ بجانب بعضهم البعض في قبضة جبهة النصرة مقابل أنظاري مباشرةً وأنا حرة اليدين مكبلة التفكير، قوية الإرادة ضعيفة الكفِّين ، حدقتاي متسعتان تبحثان لهم عن سبيل للنجاة وقلبي يضمر وكأن له عينان يغمضهما ويتوارى خلف أحشائي ليختبئ ، أشعر به يصفع نفسه مرتجفاً مستغيثاً باعثاً لعقلي إشارات تتوسل إليه أن يتصرف بسرعة ويترجمها على شكل نبضات قوية يطغى صوتها على أصوات خفقان الرايات السوداء المسيطرة على الأفق أمامي !
نظرْتُ إليهم نظرات قافزة سريعة ..الأول ..الثاني ..التاسع ..الخامس عشر ..أتنهد بعد كل نظرة تنهيدتين.. الأولى حسرةً عليهم والثانية كاجتيازٍ للإمتحان بأني لا أعرف أحداً منهم ..التاسع عشر ..العشرون وتنهيدة تحوّلت إلى محاولةٍ للصراخ ولشدة ألم روحي صرخْتُ بملامحي من دون صوت
سالم !!!!!
سالم شاب ثلاثيني العمر خمسيني الملامح أخذ الشيب حصّته من الحرب في رأسه كما تقاسم مرض السكري حصته من جسده فبدا نحيلاً شاحباً ، عيناه غائرتان وسط حفرتين بنيتين يتوسطهما عظم أنفٍ بارز ، سماره الممزوج بالشحوب يوحي لك بأنه ليس على مايرام!
برأيي الشخصي أن سالم لم ينل من اسمه كثيراً ! حارب الفقر في طفولته وعارك الفقر والحرب في شبابه وكنت أظن بأنه مثل باقي الشباب سيعارك الفقر والحرب واللعنة في شيخوخته..
غادر الجامعة للإلتحاق بخدمة العلم ونتيجة إصابة مباشرة للبنكرياس تم اعفاءه من الخدمة ليفضل حياة الريف ويبدأ بزراعة محاصيل مختلفة خلال السنة ومن الواضح أن جيش النصرة قبض عليه عند مداهمته بغتةً للقسم الشرقي من البلدة، بقينا أنا وسالم على تواصل رغم تباعد المسافات وفي كل مرة أراه فيها يكون على وشك الإعتراف بشيء ما ثم يتردد قائلاً : ليس وقته !!
لاحظت بالسنوات الأخيرة تغير أفكاره فلم يعد يأبه بالراحلين ! يقول أن الدنيا لم ولن تقف عند أحد حتى لو كان هو !
--العقل مبرمجٌ على كل شيء لاتخافي ، فالحزن كيف سأشبهه لكِ ؟.. الحزن مثل الصابون في كل ليلةٍ ينقص بمقدارٍ غير محسوس وفي النهاية سينتهي ..
كان يردد على مسامعي هذه الكلمات في كل لقاء بيننا ويختم مغنياً : /كنا نتلاقى من عشية .. ونقعد على الجسر العتيق ../
.....
أشيحُ بنظري بعيداً عن سالم هاربةً منه وأتوجه إلى النافذة بقضبانها البائسة المتقاربة من بعضها إلى درجةٍ تمنعني من رؤية السماء خلفها بشكل واضح ، تتمرد عليها وردة جوري ، تتمايل على قضبانها معانقةً بجذعها لهم ثم تدنو من قمة النافذة وتلامسها بزهرةٍ ذابلةٍ ..جلستُ القرفصاء في منتصف الغرفة وشاهدت بين الأرض وذاكرتي أول رسمةٍ للجوري رسمَتها لي أمي منذ أكثر من عشرين عاماً ..
لم تكن الزهرة التي ترسمها لي أمي على الورق تذبل يوماً ..كبرتُ وأنا أظن بأن الأزهار لا تذبل ! وعاماً بعد عام أراها تذبل من الجوع والبرد والعطش ..لو أخبرتني يا أمي بأن كل شيء في هذه الدنيا يذبل عندما تزداد الأيام قساوة !!
أرفع رأسي ثانيةً باتجاه سالم وأنا أفكر بصوت مسموع : هل سنتمكن يوماً من نسيانك يا سالم ؟ أيعقل أن تعود الحياة كما كانت ! من سوف يبنيها على جراحكم ؟ من سيجرؤ على إعمار بيوته فوق أصواتكم ..دمائكم .. أشلائكم .. أعرف الجواب يا سالم ..إنهم كُثر !! أكثر مما أتوقع !!
عيناي الآن يركزان على سالم الذي بدأ بالإنحناء لا خوفاً ولا تهاوناً بل من تأثير ارتفاع سكر دمه .. أقترب شيئاً فشيئاً منه وهو يظهر أمامي في بث تلفزيوني لجبهة النصرة توثقُ فيه إعدام مجموعة من الكفار في حقول القمح .. كيف لي أن أنقذهم ؟ وأنا في موقعي الضعيف والبعيد هذا !! أضغط على زر الإطفاء بخنوعٍ قاتل ، وأتوجه إلى هاتفي لأخبرَ أي أحد بما رأيته الآن مصادفة !
أدخلُ إلى ملف الرسائل لأجد رسالة غير مقروءة منذ خمس ساعات وفيها :
-يقول محمود درويش : ومات الذين أحبهم ، واللوز يُزهر كل عام بانتظام ..
كل شيء سيمضي صدقيني وربما حان الوقت الآن ..أحبك
#سالم ..
....
أخرج من منزلي مترنحةً ، لا أرى سماءً ولا أفقاً على الرغم من عدم وجود نافذة متقاربة القضبان هنا ،
أسير في الشوارع الحدودية مع ذكريات الموت ، أخلع نظارتي وأتجه بالفطرة نحوهم فأنا أدركُ أنهم بانتظارِ نوعٍ آخر من السلاح ..بانتظار بعض الأوراق والحبر لنحيي ذكراهم ..لنوقد قضايا مهمشةً لن تنتهي يوماً في بلادي بانتهاء الحرب، أتمايل كغصن أثقله الندى مغنية بصوت متهشم:
/كنا نتلاقى من عشية .. ونقعد على الجسر العتيق ../




تعليقات الزوار