إغلاق
إغلاق
البحث
أبحث عن:
عبد الله غيث، قصة قصيرة
الكاتب : جورج جريس، الجليل | السبت   تاريخ الخبر :2020-05-09    ساعة النشر :18:41:00

 في غرفتها، تلقفت هاتفها وهي تسمع أمها تنهرها من المطبخ لتأتي حالاً لتساعدها في لفّ ورق الدوالي، فتحت باب الغرفة 

وأجابتها بنفس طريقة الزجْر أن لا طاقة لها لذلك. أطبقت باب الغرفة وتيقّنت أن لا اتصال ولا رسالة واردة في هاتفها

أشغلت فيلم الرسالة. لم تستطع أن تحصى عدد المرات التي شاهدت فيها هذا الفيلم. عبد الله غيث بدور حمزة صياد الأسود يمتطي فرسه السوداء. يصفع الرجل صفعة تهز لها الصخور. صوته الغميق الجهور يتسلل في أحشائها. إنه تماماً عبد الله غيث- الخالق الناطق: رأفت شحادة...

 

عليها أن تصبر، رنّت جملة خالتها الثرثارة العانس في أذنيها أن الّذين نحبهم يتأخرون وأولئك الذين يحبوننا يصلون كالبرق. استشعرت هذا العَصَب القوي في كفّة يده حين صافحها في كفّها الصغيرة الرقيقة أول ما وصلت إلى اللقاء، لقائهما الأول، فأحست أن جسمها كلّه يُعتصر في قبضته. أكد لها، في اللقاء، أنه ذاهب آخر الشهر الجاري إلى عمان ليحضر حفل فيروز وريثما تذهب هي أيضا ويلتقيان هناك. لم يفت سوى يوم واحد على لقائهما. وعدم اتصاله حتى الآن لا يقول شيئًا.

 

في هذا اللقاء، أزاح لها الكرسي ليسمح لها بالجلوس. طلب أصنافاً كثيرة من الطعام. نظرت إلى تقاطيع وجهه المدهشة؛ إلى لحيته السوداء الكثيفة المدببة، إلى الزاويتين المنتهيتين عند أسفل الحنكين. عندما أتى النادل بصحن السلطة العملاق ووضعه في ناحيتها عند طرف الطاولة، أمسكت بالصحن بيدين مرتجفتين علّها تنقله إلى وسط الطاولة. لم يعلُ الصحن في يديها سنتمتر واحد. قام رأفت من مكانه والتقط الصحن بخفّة مذهلة وبيد واحدة وضعه في الوسط. نظر إليها فضحكت. فسألها عن السبب. فظلّت مبتسمة منفعلة تتذكر جملة صديقتها جنان تقول لها فيما إذا زفرت هواءً في وجهها كما تفعل أمام شعلة شمعة، ممكن أن توقعها أرضاً.

 

ها قد مرّ ثلاثة أيام وحضرة رأفت لم يتصل... سألها، في اللقاء، ماذا تفعل في حياتها. مرّت دقيقة حتى بدأت بالإجابة بصوت خافت رقيق. وحين أدركت أنه لم يفهم أو لم يسمع، بدأ صوتها الرفيع يتصاعد رويداً رويداً حتى أصبح أرفع وأرفع. ابتسم رأفت تدريجيا حتى بدا لها أنه يضحك. سألته عن سبب الضحك. لم يجب. باشر الإثنان في الأكل. رأته يقطع قطعة كبيرة من رغيف الخبز. وضعت في صحنها قطعتي بندورة صغيرتين. لم تأكلهما. سألته مرة أخرى: ليش ضحكت وأنا أحكي؟ مرت دقائق أخرى دون أن تنبس.. فكرت أن عليها المبادرة بموضوع للحديث. وفي نفس الوقت بقيت للحظات مطأطأة رأسها، وفي لحظات أخرى ترفعه وتتأمل وجهه خلسةً. لا تذكر أنها رأت وجهاً يشبه عبد الله غيث إلى هذا الحد.

 

تجلس في غرفتها. تتذكر المعلمة كاميليا، تطلب منها أن تقرأ قطعة أدبية بصوت عال وجهوري. يضحك الطلاب بملء أفواههم وهي تقرأ فيعلو صوتها إلى طبقة الجواب ليصبح رفيعا حد النشاز. تقول لها المعلمة كاميليا: شدّي حنكك.

فتحت باب خزانتها. رأت الفستان الأسود اللاصق. لماذا لم تلبس هذا الفستان الساحر. فستانها الذي اختارته للّقاء كان في منتهى الغباء ودون ملامح، ليس فضفاضا بالضرورة وليس لاصقا بالضرورة. والكوافير كان غبيا أيضا فلم يملّس لها شعرها كما أرادت. اتصلت بصديقتها جنان التي تدرس في عمان. استفسرت عن حفلة فيروز التي ستقام في آخر الشهر. فهمت أن جنان ذاهبة للحفل.. أرادت أن تنهي المكالمة. لكن جنان أصرت أن تعرف منها مصير عماد الذي عرّفته عليها قبل ثلاثة أسابيع. حاولت أن تتجاهل الموضوع. وتصاعدت ثرثرة جنان في الحَفر، فعليها أن تعطيه فرصة. والتنصّل ليس حلاً كما فعلت أيضا مع نسيم قبل حوالي السنة. وسيمر العمر دون أن تكون في علاقة. كانت تصغي بملل شديد حتى أسكتتها فجأة: عماد هذا في منتهى الغباء. وانتهت المكالمة. ثم فكرت أنها كانت على صواب ولم تخبرها شيئا عن رأفت. وربما كان عليها أن تكون أكثر صدقاً؛ كل هؤلاء الشباب الذين أتت بهم جنان لا يتشبّهون بظفر عبد الله غيث.

 

استيقظت في السادسة صباحا. اليوم الثلاثاء، يوم عطلتها، تفاجأت بصحوها الباكر. لو أن هذا الوقح جديّ، لكان، على الأقل، بعث لها رسالة يؤكد فيها الذهاب إلى الحفل. لكنها تتفاءل بيوم الثلاثاء. حتما سيرسل اليوم أي رسالة. فكرت بالمصافحة الثانية بعد انتهاء اللقاء. كانت أقوى من الأولى. فشعرت بحرارة غزيرة تتدفق حتى أنها أحست برجفة، نشوى، ذوبان. فأفلتت، فجأة، يدها الصغيرة من يده القابضة دون أن تعتبر المدة الزمنية الطبيعية للمصافحة وغادرت. تفكر في تصرفها الذي يمكن أن يعلله تصرفاً صبيانيّاً.. لدرجه أنها لم تقل كلمة "سلام" أو أي كلمة أخرى تقال عند المغادرة. كادت أن تُجن وتبعث هي رسالة. أنا عجينة رخوة مثل عجينة خبز الطابون. عليه هو أن يكون الشوبك الصلب يرقّني إلى عجينة ممدودة جاهزة

للخبيز لتصبح رغيفا واحدا متماسكاً. الحفلة في يوم الغد. الساعة الخامسة مساءً. شغلت فيلم الرسالة. صوت غميق. أطفأت الفيلم. تتصل بصديقتها جنان. تؤكد لها الأخيرة أن المعبر يغلق في الثامنة مساءً. وثبت كالنمر. لملمت كل أشيائها في لمح البصر. ولملمت في رأسها، في غضون دقيقتين، كل الجمل المقنعة التي يمكن أن تسردها لأمها عن هذه الرحلة الطارئة.

أرادت أن تخرج من البيت وإذ بها تمسك بحقيبتها وتهرع مثل القطار إلى غرفتها لأنها نسيت أهم شيء: الفستان الأسود اللاصق.

 

تصل إلى حاجز معبر الشيخ حسين. تجرّ حقيبتها متعبة خائرة لاهثة، يقول لها الجندي: المعبر مغلق!

لم تستطع هضم الجملة. نظرت إلى هاتفها فوجدت الساعة تشير: الثامنة مساءً.

- الساعة ٨

- ٨ ودقيقة.. سكرنا!

امتقع لونها وأصبحت تتكلم بصوت عال ورفيع. وبعد كثير من المفاوضات وحبس الشتائم داخلها؛ أنها وصلت من سفر بعيد حوالي الساعتين وأن دقيقة واحدة، واحدة فقط، ستحول دون دخولها المعبر...

بعد أن شعر الجندي بلهاثها واحمرار وجهها بدا له أنه سيغمى عليها فورا. قال مشفقا: هنا بجانب المعبر، في مدينة بيسان يوجد فندق صغير وغير مكلف تستطيعين النوم فيه حتى الغد. وتذكري أن المعبر يفتح غدا الساعة السادسة صباحاً.

 

مجنونة تبحث عن قشّة في بحر.. هي وصديقتها جنان في قاعة الأرينا في عمان، ساعتين قبل بدء الحفل. أول ما رأتها جنان قالت: شو هالفستان السكسي!

المدرج شبه فارغ. جلستا في أعلى المدرج من الجهة المقابلة للمدخل حيث ترصد كل من يدخل. قالت لجنان أنها ستراه هنا. بدأت الجماهير تتوافد بكثرة، جماعات جماعات.. وهي تحدّق في كل نفر قدر استطاعتها. التصاق الداخلين ببعضهم البعض قد يحول دون معاينتها الدقيقة. امتلأ المدرج بالبشر. لم تره. وازداد اللغط حدةً، لحظات قبل اعتلاء السيدة فيروز خشبة المسرح. واذ بها تثب من مقعدها وتصرخ بصرختها الرفيعة: عبد الله غيث!

ضحكات جماعيّة تتشابك في ضحكة واحدة عالية، مصدرها: كل من جلس على مقربة منها. تقول لها جنان: فيروز رح تطلع مش عبد الله غيث!

تمدّ رقبتها إلى الأمام تنظر إلى الجهة المقابلة من المدرج البعيدة أكثر من مئة متر هوائياً.

 

-  انت متأكدة انه هو؟ تقول جنان.

-  أكيد.. أكيد..  ٩٩%

 

ظهرت السيدة فيروز وغنت كل أغانيها. وهي تعاين الموقع.. لن يضيع منها.. حتى لما غنت فيروز ضاع شادي.. بقي هو في مكانه.

وغنّت " دقوا المهابيج". قام الشاب من مكانه وأخذ يرقص مبعثرا يديه في الهواء. شحب لونها وأدركت أن الشاب ليس رأفت.

بقيتا أكثر من نصف ساعة واقفات في الساحة عند مدخل القاعة الرئيسي. تحدّق في الألوف الخارجين. وجنان تلكزها للمغادرة.

 

شرحت لجنان باقي القصة، وهما في طريقهما إلى الفندق. أنها تعرّفت عليه بمجهودها الخاص عبر تطبيق في هاتفها. وأول ما أراها نفسه عبر مكالمة فيديو خاصة بالتطبيق، تاه عقلها بجماله " الغيثي" ولم تترد أن تلقاه فوراً.

سألتها جنان: هو مِنّينا؟

أخذ لها عدة لحظات حتى فهمت السؤال (إذا كان دينه من ديننا).

ثم قالت: بعرفش!

ضحكت ضحكة قصيرة جداً وكأنها تبلعها. تماماً كمن يغصّ في الماء.. وبقيت مشدوهةً لبضع لحظات أخرى. فلم تتوقّع أبدًا هذا السؤال...

 

في طريقها إلى المعبر، في التاكسي المتجه إلى البلاد، أدركت أن اسمه- رأفت، واسم عائلته- شحادة، لا يرمزان لأي دين...

يغرقها سائق التاكسي الثرثار بالأسئلة. كانت تجيب بكلمة واحدة محدّقة في هاتفها. تود لو تغرقه بالشتائم المحبوسة في قلبها، دفعةً واحدة. تتناول السماعات من جزدانها. تدسّ الكابل في هاتفها. تختار فيلم الرسالة.. ترفع الصوت إلى أعلى درجة تمكّنها عدم سماع ثرثرة السائق. تُقدّم الفيلم إلى هذا المشهد.. بعد أن يصفع حمزة خدّ أبي جهل. ويصرخ حمزة بصوته الجهور: " ردّها لي إن استطعت".. " ردّها لي إن استطعت".

 




تعليقات الزوار