إغلاق
إغلاق
البحث
أبحث عن:
كتب منتجب علي سلامي | " خوابي الماضي "
الكاتب : منتجب علي سلامي | الخميس   تاريخ الخبر :2019-03-14    ساعة النشر :04:39:00

 

نص لـ منتجب علي سلامي

إنّني العليل المدمن على تعاطي جرعاتٍ من قارورة الماضي...

 

الماضي الذي خبّأتُ في خوابيَ كهفه المتين خمرة أوجاعي وأفراحي وأمنياتي التي تعتّقت حنيناً، وكلّ يوم أغرف أقداحاً بقلبي من تلك الخوابي التي لا تجفّ لأسكر نشوةً توقظني من كذب الحاضر الذي يفرّ كلّ برهةٍ ليرتمي في حضن هذا الماضي الذي لا يهرب..

 

الماضي الذي صُهِرتْ فيه كنوزُ ذكرياتي  بحرارة حنيني إليه.....فهو الطفولة في أرجوحتها المجنونة وبيدرها بقميصه الأخضر والأصفر وكرتها السكرى ورائحة نقائها وعصفورها الشادي ودميتها السعيدة...

 

وهو الشباب في مراهقته وفتوته وعشقه وسهره ومكاتيبه.....وهو المدرسة في طباشيرها الضاحكة، وسبّورتها الخضراء، ومعلمها الرسول، وباحتها التي تفتح ذراعيها، وأشجارنوافذها المتراقصة، وجلائها الكرتونيّ الوقور، ونشيدها الوطنيّ، وعقوباتها الممتعة، وأقلامها الملوّنة وعبق كتبها ودفاترها الصابرة، ورائحة الفلافل المتكبّر على جيوبنا العفيفة....

 

الماضي الذي خبأت في جعبته نظراتي الملوّنة بالبراءة لمُقلِ فتياتٍ سحرني بريقها وأرّقني جمالها الذي رسمْتهُ على صفحاتٍ مكحّلةٍ بالسذاجة والصفاء وزخرفته بعبرات الطيبة والوفاء بأصابعي النشيطة ...

 

الماضي الذي خبأتُ في صدره ضحكات أمّي .....

 

خبأتُ دموعها على وجنتيها المقدّستين وهي تطفئ بالقماش المبلول ماء،ً جبهتي المشتعلة حرارةً ومرضاً.....خبّأت حضنها الدافئ، الذي كان يحميني من كلّ أخطار العالم.....خبّأتُ لقيمات من طعامها أحبّه كانت تأبى إلّا أن يكون طعاماً لي....خبّأت نصائحها التي مازالت تنتظرني...

 

الماضي الذي رصّعت على نحره وقار أبي الطيّب ودواة الحبر وريشة الخطّ وعشقه للأرض وتقبيله للتراب......خبّأتُ ابتساماته وأوجاعه وعكّازه وسبحته وكرسيّه العاجز وقلقه وحكَمِهِ واتزانه وخطّه الجميل وغناه إلّا من المال وجمال محيّاه ونظّارته...

 

الماضي الذي خبّأتُ في جوفه الطريق الحامل لقدميّ النحيلتين من المدرسة إلى بيتنا البازلتيّ بحيطانه المحبّة التي لا تملّ الضيوف...

 

أنا المريض المعلّقُ بالماضي ولا أريد أن أشفى من علّتي التي أحببتها....والهاربُ من ماضيه مستقبله خداع  وتزييف كشجرة بلا جذور....أو كشجرة جذورها لا تُسقى بماء الحنين فكيف لها أن تشمخ بأفنانها في فضاء المستقبل؟!.




تعليقات الزوار

إقرأ أيضاً