إغلاق
إغلاق
البحث
أبحث عن:
كتب منتجب علي سلامي | "" أحلام حارس ""
الكاتب : الحدث اليوم | الثلاثاء   تاريخ الخبر :2019-03-05    ساعة النشر :07:41:00

 

 

سارع مدير الشركة بإلقاء تحيّة الصباح لحارسه أبي عدنان ببشاشةِ وجهٍ لم تكن مألوفةً ،وطلب منه أن يجلس في حراسته كي لا يُصاب بالإرهاق وهو في كهولته...وسمح له باحتساء المشروب الذي يدفئ جسده النحيل في الشتاء البارد - من الآن فصاعداً- ويجعله أكثر يقظة وانتباه.

وأشار له بترك محرسه لساعات.. فاليوم أوّل الشهر وحقّه أن يقبض راتبه وينجز أعماله الخاصّة.....

دخل أبو عدنان المنتشي طرباً من كلمات مديره المشجّعة إلى غرفة المحاسب في دائرته...وقف لدقائق في الصفّ المستقيم فأمامه بضعة من زملائه جاؤوا للغرض ذاته......

والهدوء يجثم على المكان ورائحة عبق الزهور المزروعة في مزهريّة على طاولة في الزاوية كانت تلطّف الأجواء مع هبوب نسمات دافئة من المكيّف المعلّق كلوحة على الحائط المطليّ بلون النرجس..

وقد أشار أحد الموظّفين له وللآخرين بالاستراحة على الأرائك الموزّعة يميناً ويساراً..

وبعد زمن قصير أنقده المحاسب مبلغ سبعين ألفاً ومئة ليرة وهو راتبه الشهريّ...وضعه في جيبه الكبير الذي انتفخ كالبالون وترك مئة منه للموظف الذي تعفّف عن قبولها فهي برأيه ليست من حقّه والله رزقه براتب أكبر....خرج إلى الشارع استوقف سيّارة أجرة بلون البرتقال وطلب من سائقها المبتسم الوقور أن يوصله إلى المصرف الحكوميّ فعليه أن يدفع قسط قرض لشرائه منزلاً فخماً في حارة جديدة في المدينة وعند الوصول قدّم للسائق المكحّل بالإنسانيّة أجرته المدوّنة في التعرفة الملتصقة على الزجاج في مقدمة السيّارة.....لكنّ السائق الشهم أعاد له نصف المبلغ فالمسافة قريبة والناس لبعضها على حدّ قوله....

اقتحم أبو عدنان بهو المصرف شامخاً مزهوّاً وهو يتّجه إلى الكوّة المخصّصة لتحصيل الأقساط......استلّ من غمد بنطاله الجديد خمسة آلاف ومئتي ليرة وهو مقدار القسط الواجب دفعه...لكنّه فوجئ بأنّ الجابي أعاد له ربع المبلغ وشكره على تقيّده بمواعيد الدفع.....وأعلمه بأنّ قراراً صدر يعفي العاملين بمهنة الحراسة من جميع الفوائد...... ولم يرض بقبول المئة التي تنازل عنها...ثمّ تابع رحلته منتصب القامة...... والسرور ينهمر من عينيه إلى مصرف خاص كان قد أقرضه مبلغاً لشراء سيّارته الفخمة التي ركنها بجانب بيته...

وكم كانت دهشته بين موظّفات المصرف الحسناوات كالديك بين الدّجاجات عندما علم أنّ قرار إلغاء الفائدة لمن يعمل حارساً شمل المصارف الخاصّة أيضاً....تابع السير منتشياً بجيبه الذي مازال منتفخاً كالطاووس في شوارع المدينة التي لبست لون الفرح...وراح يبتاع ثيابأ وأشياء وأغراضاً وسلعاً لم يكن باستطاعته في الماضي النظر إلى جلالة قدرها....فالأسعار منخفضة ومازال راتبه مقاوماً ......

دخل إلى ملحمة وطلب من صاحبها الوسيم الذي يرتدي لباس الثلج أن يقطع له الفخذ من الذبيحة...لكنّه صعق عندما شاهد رجال التموين وكأنّهم فراشات الجنّة يدخلون المكان ويقدّمون شهادة شكر كرتونيّة للجزّار تحيّة لنظافته وإخلاصه في تطبيق القانون...وهذا ما دفع بالأخير أن يحرّك كلتا يديه بعفويّة وابتهاج وسرعان ما سقط ساطوره الحادّ من يده لِيُزرعَ على كتفِ أبي عدنان الذي نهض مذعوراً من نومه وهو جالس على كرسيّ الحراسة في مدخل الشركة ليجد يدَ مديره المباركة تَلْكُم كتفه برعونةٍ.... ورجْلُهُ ترمي بإبريق المتّة وعلبة السكر بجانبه...وينهال لسانه بأمطار من الشتائم وهو متجهمٌ عابسّ كغيوم كانون أثناء العاصفة.....وقد أمر معاونه الذي كان يرافقه كظلّه الأسود بخصم خمسين بالمئة من راتب الحارس أبي عدنان لمدّة ستة أشهر.




تعليقات الزوار