إغلاق
إغلاق
البحث
أبحث عن:
كتب منتجب علي سلامي | " أبو حسان "
الكاتب : منتجب علي سلامي | الاحد   تاريخ الخبر :2019-03-03    ساعة النشر :08:07:00

 

 نص لـ منتجب علي سلامي

تمكّن أبو حسّان الحارس الأمين المتقاعد أخيراً من اقتناء سيّارة زراعيّة قديمة بعد أن حلم بها نصف قرن ...دفع ثمنها من تعويض نهاية خدمته ومن بيعه لقطعة أرضٍ ودرّاجةٍ آليّة...و حمد الله لأنّه تمكّن من قيادتها فور حصوله عليها لأنّه كان سائقاً بارعاً لمركبة( الزيل )أثناء خدمته للعلم...وهي ستريحه من كابوس التنقل على الدّرّاجة الآليّة العتيقة في فصل الرياح والمطر وفصل الغبار والحر ّمن قريته الضائعة في الشرق إلى حماة المدينة المدلّلة في الغرب أو غيرها من المدن إن أراد المغامرة في الارتحال....وفي صباح يوم خريفيّ مشرق بالبهجة انطلق أبو حسّان بسيّارته المتراقصة التي أصبحت حقيقةً قاصداً المدينة الموعودة ترافقه زوجته التي شمخت بقامتها بجانبه ورأسها يناطح سقف السيّارة كبرياءً وراحت ترفع يدها المتفاخرة تحيّةً لجاراتها اللواتي نظرن إليها وهي تمتطي عرش السيّارة الجديدة...أمّا هو فكان يتشبّث بالمقود بكلتا يديه وكأنّه الغريق المتمسّك بخشبة النجاة في وسط البحر...وهي تعاتبه لماذا لا يكترث ويلقي التحيّة على رجال القرية الماشين على جانبي الطريق؟؟!!...

لكنّه بنبرةٍ يمتزج فيها الغضب والتباهي والفرح علّل لها أنّ حرصه على مركبته المعشوقة الغالية وعلى حسن القيادة منعاه من ذلك...وأثناء السفر الطويل كانت أمّ حسّان تواظب على فتح حقيبتها الجلديّة القديمة مطمئنةً وهي تتحسّس رزمةٍ من المال وهو ما تبقّى لشراء حاجات ضروريّة للشتاء من لباس وطعام وتجهيزات مدرسيّة ودواء....وتستلّ صورةً لولدها الغالي الشاب المغوار المدافع في الجيش عن دير الزور المحاصرة... ترمقها مبتسمةً مشتاقةً وتشمّها وتضمّها إلى دفء صدرها المتلهّف لرؤيته ثمّ تعيدها بهدوء إلى الحقيبة لتضعها وسط المصحف الشريف المقدّس الذي يرافقها دائما وكأنّه زرع في مكانه بعد أن زرع في فؤادها ....

وأبو حسّان الذي يقود محبوبته وجنى عمره أمّ الدواليب الرشيقة بصمت واعتزاز وحرص وسط الطريق الصحراويّ ...

أُجبِر أن يكبح جماح سيّارته النشيطة فجأةً والترجّل الاضطراريّ منها رافعاً يديه بطلبٍ من دوريّة مجهولةٍ ترتدي لباس الفحم وكأنّها خارجة من أعماق الكهوف ما قبل التاريخ.. عناصرها لهم لحىً شيطانيّة مدهونة بالغبار ويتفوّهون بكلمات أبي لهب وجهل ..فلغتهم ساخرة وكأنّهم عفاريت...وبعد لكمات لئيمة على بطنه وصفعات ناريّة على وجنتيه المصفرّتين رعباً وقلقاً وتفتيش أحمق برعونة ووقاحة له ولزوجته التي أنزلوها من عرشها عنوةً غير مكترثين بأنوثتها وأمومتها واستجدائها وتوسّلاتها فخطفوا حقيبتها قسراً وأخذوا المال وطرحوا بالأغراض; الأخرى في العراء بوحشيّة...ثمّ فرّوا بالسيّارة مبتعدين نحو جهنم....كان أبو حسّان يضع يداً على وجهه الجريح ويلتقط بالأخرى هويّته العربيّة السوريّة ...

بينما راحت أمّ حسّان تلملم صفحات المصحف الشريف الممزّقة المبعثرة...ثمّ انحنت لتلتقط صورة ولدها البطل في الجيش وهو يمتشق سلاحه( كلاشنكوف) ومقلتاها تدمعان حسرةً وأملاً وهي تحملق في عيني ولدها البرّاقتين الضاحكتين في الصورة التي لم يهتمّ بها فراعنة الحقد والوحشيّة.




تعليقات الزوار