إغلاق
إغلاق
البحث
أبحث عن:
كتب منتجب علي سلامي | " الشجرة المظلومة "
الكاتب : منتجب علي سلامي | الجمعة   تاريخ الخبر :2019-03-01    ساعة النشر :07:17:00

 

 

أيّتها الشجرة الحسناء المظلومة....

خطفوك أيّتها الحرّة من حضن أمّك البرّيّة ،وأنت تنامين في دفئه، وترضعين رونقاً من صدر هذه البريّة أمّك الحنون، وتتراقص أغصانك البريئة على إيقاع نسماتها المنسوجة بخيوط عطر تمرّغ بالرياحين و الطيّون و الزّوفا و النرجس والزعتر، وهي تغازل العصافير المراهقة بضحكات أوراقك الفاتنة .... وتغازلين الربيع بفستانك الملائكيّ الجديد المطرّز بالحسن والموشّى بالجمال ..... وتبكين الخريف بدموع أوراقك الشاحبة المطليّة بلون الذهب والحزن....وتقاومين شتاء الأعاصير، و تسستحمّين بوابل أمطاره؛ بين ذراعي أمّك المتمسّكة بجسدك الطيّب ؛الذي تضمّه إلى قلبها العطوف .... وتجودين بفيّئك وثمار أولادك الناضجين ؛في سبيل العطاء لجيرانك من البشر والطيور ...... خطفوك واقتلعوك من جذورك ....من برّيّتك الأم، وقيّدوك أسيرةً في حديقة المدينة، التي تحتاج كما يدّعون لتكوني رئةً لها....لتعطي جمالك الحامل لسحر الريف ،في كلّ الفصول للعجزة والمسنين والمتقاعدين والعاشقين والغاضبين والعابثين....ولكي تستنشقي رائحة الإسفلت وغبار الشوارع الحاقد ،وغيوم الموت الأسود ،المطرودة من هياكل المركبات ،وزنزانات المعامل ،التي تزفر امتعاضاً وقهراً.....زجّوك سجينةً في المقابر، تحرسين الموتى ،كي لا يستيقظون، وجعلوك موجوعةً حول المشافي، تحرسين المرضى كي لا يتوجّعون....وأنت مكبّلةٌ بأغلال الحداثة تُصْلبِين في المدينة....تُسقى جذورك الغريبة بالإجبار....وشعرك الأخضر المتطاير على رأسك الشامخ تُقَصُّ جدائله بالإجبار......والمقعد المتكبّر يُغرَز على قدميك الصابرتين بالإجبار......وأطرافك الساذجة المغمّسة بالخضرة تُبْتَرُ بأيدي العابرين ظلّك بالإجبار.......وتنامين واقفةً في سرير من الإسمنت العابس المكفهرّ؛ بالإجبار.....هجَرَتك العصافير العاشقة....هجرت عينيك وأصابعك الناعمة لأنّها تخاف المنيّة ......وعندما ستموتين أيّتها الشجرة المظلومة ،لن تُدفن عظامك الخشبيّة في مدافئ الفقراء الطيبين، بل ستُشوى في مواقد قصور الأغنياء المترفة....الأغنياء المتعجرفين، الذين يقتلون براءة الشجر، ويتمتّعون بحرقها في منازلهم الملوّنة بالفخامة ، والمُلقّحةُ بلقاحٍ عجائبيّ ؛ضد الفقر والفقراء.




تعليقات الزوار