إغلاق
إغلاق
البحث
أبحث عن:
كتب منتجب علي سلامي | " أبو ناي "
الكاتب : منتجب علي سلامي | الاربعاء   تاريخ الخبر :2019-02-27    ساعة النشر :05:20:00

 

البيدر المائل باتجاه الوادي في طرف القرية الذي كانت تكدّس عليه أكوام القمح المحصود والشعير في أوائل الصيف عند جني المحصول، كان ملعباً لعاطف وأطفال الضيعة من الصبيان رفاقه، يلهون فوق أحضانه بالجري وراء الكرة وعرض تمثيلياتهم الحربيّة فيما بينهم بالأغصان وعظام الحيوانات التي كانت تمثّلُ أسلحتهم الطفوليّة المسلية، وكان الأهالي يطمئنون على أولادهم في اللعب واللهو في هذا المكان الذي يشكّل حدّا فاصلاً بين حقولهم وبين البرّية بطبيعتها البكر الساحرة التي تنتشر أحراجها المتنوّعة بين الصخور الضخمة التي تغازل الشجر، وقد تعوّد الأهالي على وجود رجل كهل بثيابه الممزّقة وحذائه المهترئ يُسمّى أبو الناي لأنّه كان دائماً يستلّ من جيب شرواله ناياً ينفخ به فيصدر صوتاً شجيّاً يداعب الروح، عندما يستريح على البيدر من قطف الأعشاب البرّيّة المتنوّعة من بين الأحراج والصخور وإلى جانبه دابّته الضخمة بخرجها الواسع الذي يغطّي كامل متنها، وقد أدمن الصبية على الاستماع لحكاياه الأسطوريّة والبهلوانيّة وقصصه المخيفة الشائقة المثيرة، وكانوا يشفقون عليه فقد أخبرهم بتعاسته ومرضه وعجز زوجته وحاجته للمال من أجل الدواء وشلل ابنته الوحيدة، فكانوا يغدقون عليه العطايا والصدقات ممّا تجود به بيوتهم الريفيّة من تبغ وسمن عربيين وبيض وبرغل وعدس...

يضعها في الخرج على ظهر دابّته إلى جانب الأعشاب البريّة من الزّوفا والزعتر والزوبع وأنواع كثيرة تختبئ في جوف الوادي في فصول السنة.

وقد راح يحرّض بعض المراهقين على مساعدته بكميّات أكبر من التبغ العربيّ ويغريهم بصور حديثة لفتيات حسناوات متحرّرات.... يخرجها من مدفن جيب ردائه من الداخل ويعرضها على أنظارهم الفضوليّة المشغوفة كلّ أسبوع سرّاً ،دون أن يعلم ذووهم بذلك الأمر المحرّم في تقاليدهم وتربيتهم...فقد صاروا يتلهّفون على قدومه إلى بيدرهم كلّ أسبوع مرّة واحدة كي يستمعوا بجديده ،فهو الحامل لصور وقصص أروع من الأحلام ...وهو العازف ناياً مُطرباً حزيناً .....

واستمرّ قدوم هذا البائس لبضع سنوات، وقد استطاع أن يكسب ثقة وعطف ومساعدة وإعجاب الصبيان وأسرهم .....

ولم يكمل عاطف تعليمه بل تطوّع في سلك الشرطة ليُكلّف لاحقاً بحراسةٍ داخل سجن في المدينة ، وبينما كان يقوم يوماً بمهمّة الحراسة على باب زنزانة داخل السجن فوجِئ بزميليه الشرطيين يمسكان بيدي الرجل أبي ناي، الذي لن ولم ينس وجهه وعينيه الذكيتين البرّاقتين، ويسوقانه بعنف ووحشيّة ليدفعا به مكبّلاً بالأغلال إلى داخل الزنزانة المظلمة الرطبة، فانتفض مشفقاً مدافعاً عن ذلك المقيّد المسكين المريض والد البنت المشلولة والزوجة السقيمة...لكنّ مقلتي أبي ناي كانتا توزّعان النظر إلى جيرانه المحتجزين بتهم إجراميّة....

وبعد فضول عاطف في استكشاف تهمة هذا البائس عازف الناي وجامع الأعشاب تبيّن له بأنّه صاحب لمتجر وسط المدينة يبيع فيه التبغ العربيّ والبيض البلديّ والسمن و والحبوب من قمح وبرغل وغيرهما ويبيع الأعشاب البريّة التي يدّعي أنّها علاج لكثير من الأمراض...وقد اعترف بأنّ مصدر مبيعاته كان من القرى السبع التي تحيط بتلك البريّة الشاسعة، فهو كان يخدع الصغار والمراهقين ليحصل على ذلك ويوزّع زيارته المخادعة للقرى على عدد أيّام الأسبوع...وقد ألقي القبض عليه بعد عمليّة خطف فاشلة شارك فيها وخطّط لها ، لطفلٍ من إحدى الضيع السبع، وبعد خطف طفل وقتله وبيع أعضائه والرمي بجثته في تلك البريّة...فقد اعترف لرجال الأمن بحصوله على معلومات تفصيليّة عن أهالي ا لقرى الآمنين وعن تحرّكاتهم وأسرارهم، وهذا ما سمح له ولعصابته القيام بعشرات عمليات السرقة في تلك الضيع مستغلّا كرم وبساطة وطيبة الفلاحين وبراءة أطفالهم وسذاجتهم.




تعليقات الزوار