إغلاق
إغلاق
البحث
أبحث عن:
رسالة حبٍّ وسلام
الكاتب : غانا أسعد | الثلاثاء   تاريخ الخبر :2018-12-25    ساعة النشر :09:43:00

 

 

وطني ذاكَ العقدُ الأسطوري الذي  تجمَّعَ فيه الناس ،كحباتِ لؤلؤ من كلِ أطيافِ العالمِ ، ليزينَ جيدَ الدُنيا بأجملِ حُلةٍ ، وطني روابي الخير  وجبالُ العز وبحرُ المحبّة .

من أقدمِ عاصمةٍ في التاريخِ ، هذه الأيقونة المُترفة الجمال ، القديمةُ قِدمَ الدهرِ ، والحديثةُ حداثةَ مولودٍ جديد ، من عاصمةِ الحبِّ والفنِ والجمال ، من هذه الأرض الطيبة تبدأ الحكاية.

حَضَنَ آدم آلةَ الكمانِ التي يهواها كما أبٌ يحضنُ طفلهُ المدللَ ، و اتجهَ بخطواتٍ متزنةٍ نحو معهدهِ الموسيقي . آدم الشاب الوسيم، الطموح الذي يضجُ بالنشاطِ والحياة ، علمته دراسة الموسيقا أن الإنسان أخ للإنسان ، لا فرق بين البشر إلاَّ بالإنسانية .

وأثناءَ طريقه سمعَ صوتاً رائعاً كأنهُ قادمٌ منَ الجنة ، صوتُ فتاةٍ تُغني أحبُّ دمشقَ هوايَ الأرقَ ...

شَدهُ سحرُ الصوتِ ، فمشى لمصدرهِ باتجاهِ الحديقةِ ، ليصلَ لقربِ فتاةٍ تضعُ أمامها لوحةً وترسمُ بخفةٍ بريشتها وتُغني ..

فما كانَ منهُ إلاَّ أن يقترب ويُكمل الغناءَ معَها ..

ثَرى مِنْ صَبَا و وِدَادِ

رعتهُ عيونٌ جميلة .. أحبُّ أحبُّ دمشقَ .

وبعفويةٍ منهُ بَدأَ العزف على كمانهِ الموسيّقي ليُكملا حتى نهاية الأغنية .

قالَ لها :

- أنا آدم درستُ الموسيقا وأُعلّمُ في معهدي الموجود هُنا في هذا الحي .

-أهلاً بكَ ، و أنا روز  مِنَ الحي المجاور ، خريجةُ كلية الفنون الجميلة وكما ترى أهوى الرسم كَما أهوى دمشقَ .

- لوحتكِ رائعة إنكِ مُبدعة ، هل أستطيع أن أتُابعَ عملك ؟

- بكلُ سرورٍ ، أنا هذهِ الفترة في مثل هذا الوقت أرسمُ هُنا في الحديقةِ .

وحقاً كانَ آدم يأتي ويُتابعُ مراحلَ تكوين لوحة تلكَ الفتاة التي أثارتْ أهتمامهُ برِقتها و جَمالها و إبداعها ، فهي تتعاملُ مع ريشتها ولوحتها بكل إحساسها .

كانَ يصطحبُ معهُ آلته التي يحبُّ ، فيعزفُ ويُغني مَعها لفيروز أغاني للحبِّ والوَطن ..

لمْ يكنْ يُدرك في بدايةِ الأمرِ أنَّ هذا الانسجام بينهم هو بداية لقصةَ حُبٍّ رائعة ، فهما مُتشابهانِ بكثيرٍ منَ الصفاتِ والطباعِ .

 وبعدَ مرورِ سنةٍ تقريباً مِنْ تعارفهم قَررا الزواج .

وفعلاً تمتْ مراسمُ زواجهم وسطَ الأهلِ والأصدقاءِ بحفلٍ بسيطٍ متواضعٍ .

وبعدَ فترةٍ قصيرةٍ من زواجهم ، قسمَ آدم معهدهِ الموسيقي إلى قسمينِ ليُعطي روز مكاناً تجعله مرسماً خاصاً بها ، فكانت فرحتها لا تُوصف حينَ رتبتْ أدواتها ولوحاتها في مرسمها الصغير كما تُحبّ .

في هذهِ الأثناء شاءَ القدر أن يكونَ لدمشقَ نصيباً من أطماعِ ودمارِ الحربِ .

وكانَ لابدَّ من التعايش مع أصعب الظروف لتستمرَ الحياة .

كانتْ الأيام تمرُ بسرعةٍ ،

ولقد كانَ يوماً مُميزاً وعظيماً  حينَ دخلتْ روز على آدم وهو يعلِّمُ الأطفالَ درسَ موسيقا وأخبرتهُ أنَّها حَامل .

فحَضنها وهَمسَ لها : أُريدها بنتاً تشبهكُ .

 وكانَ التلاميذُ في حالةِ دهشةٍ فوقفوا و راحوا يُصفقونَ ويباركونَ لهم .

قالَ آدم لها :

- لنْ تمنعنا ظروفَ الحربِ من الحياةِ و الحبِّ والغناءِ

قالتْ روز :

- كنتُ أسمعُ جَدتي تقولُ دائماً : (الحياةُ حُبٌ وأرضٌ ورغيفُ خبزٍ وماء ) .

- ما أروعَ كلامَ جدتكِ يا روز ، حقاً أبسطُ مكوناتِ الحياةِ قدْ تكون هي الأقوى للاستمرار رغماً عن كل شيء .

و مضى الوقتُ سريعاً ، وبعدَ عدة أشهر رزقهم اللَّه بطفلةٍ رائعةٍ ولأنَّها تُشبهُ الملائكة ، انتقت روز لها إسم آنجل .

لقد كانتْ فرحةُ العائلةِ كبيرة بقدوم ِ هذا الملاك الجديد .

لتصبح آنجل محور اهتمامهم ، فكانَ لها نَصيباً  من ألحانِ الأب في بعضِ أغاني للأطفالِ  ، كما كانَ لها نصيباً من أجملِ صُورها في لوحاتِ أمّها المُبدعة .

كبرتْ آنجل في ظلِ محبَّة  واهتمام آدم وروز ، ومرَّت السّنوات بلمحِ البصرِ وكانَ وضعُ أحداث الحرب ما يزال يُخيم على بعض المناطق .

اليوم أكملتْ  آنجل عَامها الرابع وكانَ صوتها الملائكي يملأُ البيت بالحبِّ والدفءِ وهي تُغَني و تُرددُ  وراءَ والدها وما زالَ يصعبُ عليها نطقُ بعض الأحرف..

- قمرة يا قمرة لا تطلعي عالشجرة

والشجرة عالية وأنتِ بعدك صغيّرة يا قمرة ..

لقد كانَ حلمُ آدم وروز في هذهِ الأثناء ، كَحلمُ الكثير من الآباءِ والأمّهاتِ بأن يعود الأمانَ ويعمَّ السلامَ ليعيشوا حياتهم كما يَتمنون .

بعدَ عدةِ أيامٍ ، كانَ الجو عاصفٌ بالأحداثِ واقتربتْ الاشتباكات منَ الحيِّ الذي تسكنهُ هذهِ العائلةِ ، واشتدَ النزاعُ لساعاتٍ ، في هذهِ الأثناء كانتْ روز و آدم وآنجل في معهدِ الموسيقا ، ولمْ يكن هناكَ مجال للخروجِ بسببِ تدهورِ الحالِ في الخارجِ ، لقدْ سقطتْ عدة قذائف على المبنى فكانَ حجمُ الخوفِ والدمار لا يُوصفان ، وكانَ لابُدَّ منْ الانتظار حتى انتهاءَ الاشتباكِ لتفقد بعضهم البعض .

وللأسف كانَ حجم الدمار كبير وحجمُ الفقدِ أكبر .

لقد غادرَ عددٌ منَ الناسِ إلى ملكوتِ اللَّه و مُعظمهم منَ الأطفالِ وكانتْ آنجل منْ بينهم .

حالةُ الأمّ الجَريحة والمنكوبة استدعتْ دُخول المُسّتشفى لفترةٍ ، ووقفَ لجانبها الأب المحزون الصابر حتى تعافت .

لقد مرّتْ أيام عصيبة عليهم كما مرَّ على الكثيرِ من العائلاتِ المتأثرة بأحداثِ الحربِ .

وبعد مرورِ عام ، واليوم بالتحديدِ هو ذكرى عيدُ ميلادِ آنجل ، وقفتْ روز أمامَ لوحتها شاردةٍ بملاكِها الراحل ، مسحَتْ دُموعها وقالتْ لزوجها :

- آدم علينا أن نُسافر

- لماذا وإلى أين ؟

- إلى كل أنحاء العالم إن أمكن

- ما الذي تعنيهِ يا روز

- آدم اسمعني جيداً ، لدينا رسالة لنُوصلها للعالم ، من حقِ آنجل علينا ومن حقِ كل أطفال العالم المنكوبين أن يَعيشوا بسلامٍ .

- وكيفَ برأيك أنا وأنتِ سنقدر على إيصالِ رسالتنا للعالم ؟

- أنتَ تحملُ آلتكَ الموسيقية وتعزفُ وتُغني للحبِّ وللأطفال والسلام ، وأنا سأحملُ فرشاتي وألواني وأرسمُ للعالم آنجل وأطفال بلدي ، سأرسمُ سماؤنا وأرضنا وماؤنا كيفَ كُنّا قبلَ حلول شر الحروب ، سأرسم سنابلَ قمحنا وزيتوننا المُبارك ، سأرسمُ ورودَ وياسمينَ بلادي الطاغي على رائحةِ البارودِ .

- ليتَ العالمَ كُلّه يُدرك  ياروز  أنَّ الحياةَ لمْ تعد تتسع لمزيدٍ منَ الشرِ .

- عزيزي فلنحاول معاً .

وبعد فترةٍ تُقاربُ الشهر غادرا أرضَ الوطنِ على أمل العودة .

وكانتْ إيطاليا هي البلد الأول الذي نزلا بهِ ، واجهتهم عدة مصاعب في البدايةِ وكانَ لابُدَّ منَ العملِ لكسبِ بعضِ المالِ الذي سيحتاجونه في سفرهم .

فما كانَ منهم إلاَّ النزول للشارعِ آدم يعزف ويُغني عن بلدهِ وأطفال بلدهِ و روز ترسمُ وتُبدعُ  أروعَ المناظر لدمشقَ وكل سورية ،  فكل لوحة هي أيقونة لمدينةٍ سوريةٍ و توقّعُ عليها (سورية بلد السلام ) .

كانَ تجمّع الناس مُلفتٌ للنظرِ حولَ آدم و هو يعزف ويُغني للسيدة فيرز ، احكيلي .. احكيلي عن بلدي احكيلي ..

وطلبوا منه ترجمة بعض ما سمعوا وأبدوا إعجابهم الكبير .

وتابعا الترحال لأماكنَ ودولَ أخرى رغمَ بعض الصدِّ والمصاعبِ في السفرِ ، لكن كان إصرارهم في إيصالِ رسالة السلام أكبر .

وبالمقابل نالتْ قضيتهم الإنسانية  اهتمام الكثير من المهتمين بنشر الوعي والإنسانية بينَ الشعوب المُختلفة من العالمِ ، حتى وجدا الترحيبَ والإهتمام والتقبل بين عدد من المثقفين والفنانين والصحفيين وبعض محطات التلفزةِ تكلموا عنهم وعرضوا قصتهم في نشر الإنسانية و الحبّ والسلام وأنَّ رسالتهم بالدرجة الأولى تطلب الأمان والسلام لكل أطفال العالم .

وبعدَ مرور عدة أشهر كانتْ روز تضعُ آخرَ لمساتِ ريشتها الساحرة على لوحتها ، وهُما يَشربان القهوة في أحدِ الإستراحاتِ الخاصةِ بالمغتربين العرب

كانتْ اللوحة تتجسدُ بمنظرٍ رائعٍ لدمشقَ من أعالي جبل قاسيون .

نظر آدم إلى اللوحة وتذكر أول لقاءٍ لهما ، و غنّى ..

أحبُّ دمشقَ هوايَ الأرقَ

أحبُّ جوار بلادي ..

نظرت روز إليه وأمسكت بيده وقد غلبَ على مشاعرها فيضُ حنينٍ .

و قالت له :

ردني إلى بلادي

مع نسائمِ الغوادي

مع شعاعةٍ تغاوتْ عندَ شاطيء و وادي

رُدني إلى بلادي .

 غانا أسعد / سورية




تعليقات الزوار