إغلاق
إغلاق
البحث
أبحث عن:
العلاقات الروسية الأوروبية و انعكاسها على الملف السوري و الإيراني
الكاتب : بقلم .. الدكتور حسن مرهج | الثلاثاء   تاريخ الخبر :2018-05-29    ساعة النشر :13:23:00

العلاقات الروسية الأوروبية و انعكاسها على الملف السوري و الإيراني .
بقلم .. الدكتور حسن مرهج

من الصعوبة بمكان سبر غور ما يجري في أروقة الدول الأوروبية و حتى في أروقة البيت الأبيض ، حيث أن الظروف الراهنة توحي بعدم استشراف ما يمكن أن يجري من تفاهمات مستقبلية ، فالأزمات الضاغطة كالحرب السورية و الملف النووي الإيراني شكلت تباين واضح في الرؤى الاستراتيجية لكل الأطراف الدولية ، مع الأخذ بعين الاعتبار تدهور العلاقات الروسية الأمريكية حيال الملفين السوري و الإيراني ، و هنا يمكننا القول بأن الحرب على سوريا وضعت العالم أمام حال انقسام ، وما نشهده اليوم من خلافات بين الدول الغربية و روسيا حول المقاربة التي يجب اعتمادها لحل الأزمة السورية ، يتعدّى أطر الاختلاف في الرأي حول طبيعة الحل المراد إتباعه ، ليظهر أنه خلاف في العمق وأن هناك استحالة لردم الفجوة القائمة بين المعسكرين الروسي و الغربي ، يضاف إلى ذلك الانسحاب الأمريكي من الاتفاق النووي الإيراني يقابله رغبة الأطراف الأوروبية باستمرار الاتفاق مع ايران ، حرصا من الغرب على استمرار العلاقات الاقتصادية من جهة ، و الخوف من تبعيات القرار الأمريكي و انعكاساته على التطورات الدولية من جهة أخرى .
العلاقات الروسية الأوروبية شهدت الكثير من التوتر خاصة مع بريطانيا عقب اتهام لندن لموسكو بالتورط في اغتيال العميل الروسي "سيرجي سكريبال" باستخدام غاز سام ، التوتر الحادث في العلاقات الثنائية بين البلدين بناء على تلك الحادثة اتخذ أبعادا جديدة بعد أن شنت العديد من الدول الأوروبية هجوما إعلاميا حادا على روسيا باعتبارها قد خرقت القانون الدولي، وانتهكت سيادة الدولة البريطانية ، وأعقب الهجوم الإعلامي طرد عدد من الدبلوماسيين الروس العاملين ضمن البعثات الدبلوماسية لروسيا لدى عدد من الدول الأوروبية، فضلا عن التهديد بفرض عقوبات جديدة على موسكو ؛ هذا التطور في العلاقات الأوروبية الروسية كان قد سبقه توتر في العلاقات الروسية الأمريكية على وقع حالة التنافس بين الدولتين بشأن الأزمة السورية و فيما يتعلق بالتعاطي الأمريكي بشأن الملف النووي الإيراني ، و ما يمكن أن يعكسه هذا الملف على التطورات السياسية و العسكرية في الشرق الأوسط .
و لقراءة الدوافع و الأسباب التي أدت إلى التصعيد الأوروبي ضد روسيا ، يمكننا القول أن الخطاب الذي ألقاه الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في أذار الماضي أمام البرلمان الروسي ، حيث تباهى بوتين بما أصبحت تمتلكه روسيا من أسلحة فائقة التكنولوجيا والجودة اعتبرها بوتين أسلحة "استراتيجية" نوعية جديدة ستحدث انقلابا في موازين القوى العسكرية ، بمعنى آخر، ستصبح العلاقات الروسية الأمريكية الأوروبية العسكرية التقليدية القائمة على حالة الردع الاستراتيجي أمام حقائق عسكرية جديدة ، وهو ما اعتبرته الدول الأوروبية تهديدا مبطنا لها من قبل بوتين ولأمنها القومي ولمصالحها في أي منطقة من العالم ، يضاف إلى ذلك العلاقات الأوروبية الروسية المتوترة على وقع التعاطي الروسي مع الملف السوري ، فبالرغم من تطابق وجهات النظر الأوروبية والروسية بشأن محاربة الإرهاب، والقبول الأوروبي في مرحلة ما من مراحل تطور الأزمة السورية ببقاء الرئيس السوري بشار الأسد في السلطة باعتباره شريكا فاعلا في محاربة الإرهاب ، إلا أن الدول الأوروبية ترى أن الدولة السورية و الحليف الروسي يقومون باستهداف المدنيين ، و هذا يجافي حقيقة الواقع .
و كنتيجة منطقية لتطور الأحداث في الشرق الأوسط ، بدا واضحا الانعطاف الأوروبي حيال العديد من قضايا المنطقة و الاقتراب من وجهة النظر الروسية خاصة في الشأن السوري إضافة إلى الملف النووي الإيراني ، و لعل منتدى سانت بطرسبرغ كان فرصة لتلاقي الكثير من وجهات النظر التي ستؤسس لمعطيات جديدة على وقع تطورات الشرق الأوسط ، فقد عقد ماكرون و بوتين جلسة مباحثات ثنائية على هامش المنتدى يليها لقاء موسع يضم وفدي الجانبين لبحث القضايا الدولية لا سيما الملفين الإيراني و السوري و العلاقات الثنائية و اعتماد عدد من الاتفاقات في المجالات الثقافية و الجامعية والرياضية و الاقتصادية ، وبالرغم من التباين في المواقف بين باريس و موسكو حول بعض الملفات ، إلا أن الحوار مستمر بينهما و قد أبدى قادة البلدين رغبتهما في إقامة حوار بناء و صريح و العمل سويا ، حيث أكد كلا من الرئيسين الروسي و الفرنسي تمسكهما بالحفاظ على الاتفاق النووي الإيراني بعد انسحاب واشنطن منه ، إلا أن الأول يطالب بتنفيذه الصارم فيما يدعو الرئيس الفرنسي إلى التحاور بشأن اتفاق موسع يشمل مراقبة النشاط النووي بعد عام 2025 و البرنامج الباليستى لإيران ودورها في المنطقة لا سيما في سوريا و اليمن.
و انطلاقا من التطورات الميدانية و السياسية التي رافقت مسارات الحرب السورية ، فقد بات الغرب يبحث عن مصالحة الاستراتيجية بعيدا عن السياسية الامريكية ، فانكسارات واشنطن في سوريا و فشلها في إدارة الملف النووي الإيراني ، دفعا بالدول الأوروبية لاعتماد سياسة تتناسب مع التطلعات الاقتصادية و السياسية في ضوء المتغيرات في الشرق الأوسط ، الأمر الذي سيؤدي إلى إنهاء حالة التصعيد بين الدول الأوروبية و روسيا ، و إلغاء الكثير من العقوبات الاقتصادية كتجميد الأصول الروسية في عدد من الدول الأوروبية ، و من المفيد أن نذكر أن منتدى سانت بطرسبرغ الاقتصادي الدولي الذي انعقد خلال اليومين الماضيين في مركز المعارض والمؤتمرات (Expoforum ) ، من شأنه أن يهيئ الأرضية المناسبة لحل القضايا العالقة بين الغرب و روسيا ، حيث يصبح مكانا لمناقشة القضايا الرئيسية للاقتصاد العالمي، والتكامل الإقليمي و تطوير الصناعات والتكنولوجيات الجديدة ، فضلا عن التحديات العالمية التي تواجه روسيا ودول العالم الأخرى ، و بالتالي من الممكن أن نشهد انفراجا في ما يخص الشأن السوري و كذلك الملف النووي الإيراني ، و سنشهد تحولات نوعية في مسار تلك الأزمات تدفعها نحو الاحتواء والانفراج خلال الأيام القادمة .




تعليقات الزوار