إغلاق
إغلاق
البحث
أبحث عن:
قلق الامتحان وأثره في التّحصيل الدّراسيّ
الكاتب : بقلم : نبيل أحمد صافية | الاثنين   تاريخ الخبر :2018-05-14    ساعة النشر :10:25:00

قلق الامتحان وأثره في التّحصيل الدّراسيّ
دخلت صباح يوم الأحد 13/5 امتحانات شهادة التّعليم الأساسيّ للعام الدّراسيّ الحالي وبعدها سنكون على موعد مع امتحانات الشّهادة الثّانويّة ، ويعدّ قلق الامتحان أحد أشكال القلق العام ، كونه يرتبط بمواقف التّقويم والتّقدير ، وقد أضحت نتائج الطّلّاب في الامتحانات هدفاً رئيساً لتقييم التّعليم في الوزارة المختصّة ، ولتحديد المستقبل العلميّ والعمليّ لأبنائنا الطّلّاب عموماً ، ومن هنا كان تحصيل الطّلّاب وما يتأثّر به من متغيّرات مجال بحث المختصّين في مجال علم النّفس التّربويّ وسواه من علوم نفسيّة وتربويّة .
وممّا لا شكّ فيه أنّ قلق الامتحان يعدّ أحد أشكال المخاوف المرَضِيّة وعاملاً من العوامل التي تعيق التّحصيل الدّراسيّ وتؤثّر في مختلف مستوياته ، ويترك آثاراً نفسيّة في مجال تكيّف الطّالب مع محيطه عموماً والامتحان خصوصاً ، وبطبيعة الحال لهذه الظّاهرة أسبابها العديدة : فمنها يتعلق بالعوامل الذَّاتيَّة بما يحمله الطّالب من دوافع إنجاز شخصيَّة وما يمتلكه من الصَّبر والمثابرة والتَّحمُّل والثّقة بالنّفس و مستوى طموح عالٍ أو اتِّجاهات إيجابيَّة من الدِّراسة ، ومنها العوامل الانفعاليّة التي ترتبط بالطَّالب أثناء الدِّراسة ، كالاضطرابات الجسميّة واضطرابات النّوم والتّغذيّة والمؤثّرات الانفعاليّة ، كعدم استقرار الطّفل وقلقه وخجله أو انطوائه وخموله ، وعدم قدرته على التّعامل بحرّيّة مع أقرانه ومدرّسيه ، الأمر الذي يجعل تكيّفه عمليّة صعبة ، فهو مضطرب باستمرار ، ويؤثّر ذلك بطبيعة الحال في قدرته على التّحصيل الدّراسيّ ، كما أنَّ البيئة الثَّقافيَّة والاجتماعيَّة في الأسرة التي ينشأ الطَّالب ويترعرع فيها قد تساهم في وجود القلق أو عدمه ، وهي تزرع في نفوس أبنائها تطلّعاتها ورؤاها واتجاهها من المدرسة وربّما يزيد ذلك الاتّجاه من قلقه ، ولعلّ استقرار الأسرة وتماسكها يؤدّي إلى استقرار الطّالب وراحته النّفسيّة .
ولا تغيب عن الأذهان بعض العوامل الأسريّة المتعلّقة بالتّمييز بين الأبناء وما تتركه من آثار سلبيّة في نفوس هؤلاء الأبناء ، ومن الأهمّيّة بمكان الإشارة إلى أنّ التّمييز بين الأبناء يعدّ من الظّواهر المرضيّة التي قد تصيب بعض الأسر ، إذ من الممكن أن تنتج عنه بعض الأمراض النّفسيّة التي لا ينتبه الأهل إليها ، ولعلّ منها : القلق أو ضعف الثّقة بالنّفس أو القلق والتّوتر أو الشّعور بالخجل أو الخوف من النّقد أو الشّعور بالفراغ أو النّقص أو تقلّب الحالة الانفعاليّة أو الشّعور بالبعد عن الوالدين أو العقاب بالضّرب أو الخوف من الوالدين أو تدخّل الوالدين في اختيار الأصدقاء أو زيادة الرّقابة عليه في البيت أو الكبت وعدم حرّيّة إبداء الرّأي نتيجة اللوم والتّقريع ، ولعلّ التّمييز يؤثر في الدّراسة أيضاً ، إذ يمكن أن يؤدّي التّمييز إلى صعوبة التّركيز أثناء الدّراسة أو ضعف الذّاكرة والتّعرض لحالات النّسيان وغيرها ، وهذا ما يجعل الطّالب يشعر بالقلق والاضطراب .
كما أنّ لعلاقة الحبّ المتبادل بين أفراد الأسرة يؤثّر في نفوس الأبناء ، وقد تعدّدت النّظريات التّربويّة والنّفسيّة التي درست أثر الحب على الأسرة والأبناء ، وكان منها دراسة ماسلو وسكيرفبن وكريتلي وسكوارز ونيمير ووليام جود وغيرهم ، وقد أجمعت معظم تلك الدّراسات على أن الأسر التي تسود فيها حالات الحبّ والرّضا عن الذّات تقلّ لدى أبنائها حالات الاكتئاب أو القلق أو الإحباط واليأس وخيبة الأمل أو سواها من المشكلات النّفسيّة التي يعاني منها معظم الأبناء الذين تكثر لدى أوليائهم حالات الصّراعات الشّديدة أو هيمنة أحدهما على الآخر ، ومثل تلك الأسر تعزّز لديهم المساواة والتّعاون وحرّيّة إبداء الرّأي بعيداً عن التّسلّط والقمع والكبت فتسود بعض أجواء التّعامل الرّاقي بنوع من الدّيمقراطيّة في التّعبير ، وتقوم العلاقة على الودّ والصّداقة وتكوين الاتّجاهات الإيجابيّة من الحياة .
ولعلّ زملاء الطَّالب وأقرانه يؤثِّرون في نشوء ظاهرة القلق التي لا تكون بمعزل عن المدرسة ، ومن المعلوم أنَّ المدرسة تشمل عناصر تعليميّة واسعة متعدّدة ، منها : التّلميذ أو الطّالب ، والمعلّم والمنهاج والوسائل التّعليميّة والأنشطة الصّفّيّة واللاصفّيّة والبيئة المدرسيّة ، وإنّ أوّل عنصر فاعل في المدرسة وفق المنظور التّربويّ الحديث ، هو الطّالب ، ذلك أنّه يمثّل محور العمليّة التّعليميّة _ التّعلّميّة ، وترتبط به عوامل عدّة منها : مواظبته على الدّوام المدرسيّ أو عدم المواظبة ، وحبّه للمدرسة وإقباله عليها واتّجاهه منها ، وإنّ عدد الطّلاّب في الشّعبة الصّفّيّة له أهمّيّة أيضاً من حيث الاهتمام بهم من المدرّسين .
والعنصر الثّاني الفاعل في المدرسة : المعلّم ، وله مكانته في العمليّة التّربويّة والتّعليميّة ، فهو يساعد الطّلاّب على تعلّمهم ، وكلّما كانت الطّرائق التّدريسيّة فعاَّلة انعكس تأثيرها على المستوى التّحصيليّ للطّلاّب ، كونها تستقطبهم وتجعلهم يحبّون المادة الدّراسيّة ، وهذا له أهمّيّة بطبيعة الحال في العمليّة التّربويّة وفي نشوء ظاهرة القلق ، إذ على المعلّم الابتعاد عن أساليب العنف مع الطّلاّب ، وتشجيعهم لزيارة المكتبة المدرسيّة وتحفيز أبنائه الطّلاّب على القراءة ومراعاة الفروق الفرديّة بينهم .
وتأتي المناهج التّدريسيّة ضمن العوامل المدرسيّة أيضاً ، لما لها من آثار إيجابيّة أو سلبيّة على الطّالب ، فالمدرسة تسعى أن تلبّي طموحات الطَّالب وغاياته في مناهجها الدِّراسيَّة ، كون تلك المناهج تمثّل أحد مصادر المعلومات لأبنائنا الطّلاّب ، ولابدّ أن تكون محفّزة الطّالب وتفكيره العلميّ النّاقد البنّاء ، وتكسبه الاتّجاهات والقيم الإنسانيّة ، وتستثير انتباهه وقدراته العقليّة العالية ضمن الامتحانات أو الاختبارات التّحصيليّة ، وأن تحقّق الأهداف التّربويّة العامّة في القطر العربيّ السوريّ ، وأن تُقَدَّم المعلومات بأسلوب مبسّط بعيداً عن التّعقيدات والغموض ، ويأتي من جملة العوامل المدرسيّة تلك الأجواء التي تسود فيها فإذا سادت أجواء التّسامح والإخاء والاحترام بين الأطراف الآنفة الذّكر ستولّد نتائج إيجابيّة تنعكس آثارها في تحصيل الطَّالب واهتمامه وحبّه للمادّة الدّراسيّة ، أمَّا إذا كانت تلك العلاقة سلبيّة وتقوم على التّسلّط والفرديّة ، فإنَّها ستؤدّي لكره الطَّالب للمدرسة والتّعلُّم ، وهذا ما يزيد من قلق الطالب .
ولعلّ السّؤال الهامّ الذي يطرَح :
ما الحلول اللازمة للحدّ من انتشار وتفاقم ظاهرة القلق في الامتحان ؟ .
لعلّ الحلول التي يمكن أن تفيد متعدّدة ومنها : العمل على زيادة دافعية الطّلاّب للدّراسة بأساليب بعيدة عن الإكراه والإلزام ، أي عبر الإقناع لإثارة دوافعم وحبّهم نحو مزيد من التّحصيل الدّراسي ، ودعوتهم لزيارة المكتبة المدرسيّة ، والعمل على الإكثار من الأنشطة الصّفّيّة واللاصفّيّة التي تستثير أذهان الطّلاّب وتحثّهم على التّفكير والحوار ، ولابدّ من تعزيز الاتّجاه الإيجابيّ من المؤسّسة التّعليميّة كي يكون الطَّالب أكثر تعلّقاً بها وبما يُقَدَّم له فيها ، وأن يتمّ ذلك من رياض الأطفال وانتهاء بمرحلة التّعليم الجامعيّ ، وأن يتمّ الاستمرار في إعداد المناهج استناداً لنظام التّربية الشّموليّة ، وأن تُقَدَّم المناهج التّعليميّة والامتحانات بطريقة تجذب انتباه الطّلاب وتدفعهم للقراءة ، وأن تكون متناسبة مع قدرات المتعلّمين ، وأن تعَدَّ الوسائل والتِّقْنيات التّعليميّة المناسبة وتوزَّع على مدارس القطر ، وأن يتمّ إعداد المعلّمين إعداداً جيّداً بتدريبهم على أحدث طرائق التّدريس ، ليكون المتعلّم محور العمليّة التّعليميّة _ التّعلّميّة ، وأخيراً لابدّ من تثقيف الآباء والأمّهات وكذلك المعلّمين لبيان واقع التّعامل مع أبنائهم ، كي يعملوا على المحافظة التّكيّف النّفسي لأبنائهم مع واقعهم دون إهانة أو زجر أو توبيخ . ولابدّ من إيجاد برامج إرشاديّة نفسيّة تقَدَّم للطَّالب بالتّعاون بين الأسرة وإدارة المدرسة من جهة وبين المرشدين النّفسيين من جهة أخرى ، كي تحفّف من ظاهرة القلق وتحفِّزهم لتحقيق إنجاز أفضل بما يؤهِّلهم ليكونوا أفضل في مختلف جوانب الحياة ، وتخلق لديهم روح الابتكار والإبداع .
بقلم : نبيل أحمد صافية
عضو المكتب السّياسيّ والقيادة المركزية في الحزب الدّيمقراطيّ السّوريّ .
وعضو اللجنة الإعلاميّة المنبثقة عن مؤتمر الحوار الوطنيّ في الجمهوريّة العربيّة السّوريّة ، وعضو الجمعيّة السّوريّة للعلوم النّفسيّة والتّربويّة .




تعليقات الزوار