إغلاق
إغلاق
البحث
أبحث عن:
روسيا و ايران في سوريا .. تقارب أم تضارب الرؤى الاستراتيجية .
الكاتب : بقلم .. الدكتور حسن مرهج | الجمعة   تاريخ الخبر :2018-05-11    ساعة النشر :17:49:00

روسيا و ايران في سوريا .. تقارب أم تضارب الرؤى الاستراتيجية .
بقلم .. الدكتور حسن مرهج
لا شك بأن مسار التطورات في سوريا يلقى بظلاله على المشهد الدولي ، و لا شك أيضا بأن الحرب على سوريا في هدفها الأول إسقاط الدولة السورية و كسر محور المقاومة ، و لكن ما نتج عن هذه الحرب لجهة الاصطفافات الدولية و سياسة المحاور ، سيكون له تأثير مباشر في رسم المسارات الميدانية و السياسية ليس في سوريا فحسب ، بل في الشرق الأوسط كاملا ، من هنا سعت الدول صاحبة التأثير في الشأن السوري إلى قراءة التطورات بنظرة استراتيجية تتناسب و طبيعة المصالح المشتركة ، إضافة الى الحد من التأثير المباشر لخطط الغرب الاستعمارية في سوريا و المنطقة ، و رغم ذلك نشاهد تضارب في المصالح الاستراتيجية بين أطراف المحور الواحد ، و لكن هذا التضارب لا يرقى إلى مستوى الخلاف أو التصادم ، نتيجة الكثير من الرؤى الاستراتيجية ذات الاهتمام المشترك .
إن حقيقة التطورات في سوريا تشي بالنصر على الإرهاب الأمريكي و السعودي و التركي ، فالمتابع للشأن السوري يعي تماما أن ما ينجزه الجيش السوري في الميدان سيكون له تداعيات كثيرة كفيلة برسم معالم الشرق الأوسط الجديد ، خلافا لشرق أوسط روجت له الإدارة الأمريكية ، و مع توالي سنوات الحرب في سوريا ، و انكشاف الخطط الأمريكية الرامية إلى تقسيم سوريا و إنهاكها لتصبح تابعة لإسرائيل ، تشرق المنجزات الميدانية و السياسية كاسرة معها خطوط واشنطن التي باتت تعاني من مأزق جراء انكسار جبروتها و إرهابييها من حلب إلى دير الزور مرورا بالبادية السورية و صولا إلى الغوطة الشرقية لدمشق ، فنداءات واشنطن اليوم خير دليل على انكسار مشروعها و انتصار الدولة السورية قيادة و جيشا و شعبا ، و اليوم تؤكد هذه التطورات أن زمن الحرب بالأدوات انتهى ، و بات لزاما على دول العدوان التدخل مباشرة في محاولة منها للحد من تأثير المنجزات التي حققتها الدولة السورية و الجيش السوري .
يمكن القول أن العلاقات الروسية الإيرانية هي نتيجة حتمية للسياسات الأمريكية في سوريا، ومحاولة فرض نظام عالمي جديد و حاجة ملحة لكل من موسكو و طهران ، و بالرغم من كل تلك التعقيدات في المشهد الدولي إلا أن العلاقة الإيرانية الروسية تخضع للمراقبة الدقيقة و تبرز أخبارا و تحليلات تغزو وسائل الإعلام لقراءة مستقبل العالم ، و بدأ الحديث عن ما سمي خلافات إيرانية روسية بعد القضاء على داعش في سورية , و بشكل خاص بعد رفض إيران للاتفاق الروسي الأمريكي لخفض التوتر في الجنوب السوري, و التسريبات الصحفية المتناقضة التي تتحدث عن ضمانات روسية بعدم اقتراب اي قوات إيرانية من حدود الاراضي المحتلة ، وصولاً الى الأنباء التي تنشر و بشكل شبه يومي في الصحف العبرية و التي تتحدث عن نية روسيا تعزيز قوة إيران في المنطقة , و من هنا يبقى السؤال ما هي طبيعة العلاقة التي تجمع روسيا و إيران و قد وصلت سابقاً بفعل صواريخ اس 300 الى المحاكم و الآن الى التحالف في سورية .
و في جانب يغفل عنه الكثير من المتابعين للشأن السوري لجهة العلاقة بين روسيا و ايران ، و في هذا الجانب لنبتعد قليلا عن نقاط الاختلاف و التلاقي بين البلدين ، و لنوضح أكثر الرؤى الاستراتيجية لروسيا حيال التطورات الأخيرة و تحديدا الغارات الاسرائيلية الأخيرة على أهداف في دمشق و محيطها ، هنا بد الموقف الروسي مبهما و بالتالي تم طرح العديد من إشارات الاستفهام و التي يمكن من خلالها اشتفاف ما يمكن أن تؤول إليه التطورات ، روسيا التي صرحت أنها ستقوم بتزويد سوريا بمنظومات صاروخية متطورة بعد العدوان الثلاثي على دمشق ، تصريحات لم تتجاوز حدود روسيا ، و الكثير من الأنباء التي يتم تداولها في الأروقة الدولية بأن هذه المنظومات المتطورة لن يتم استخدمها في المناطق التي من الممكن ان يتم استهدفها في حال تواجد بها مستشارين إيرانيين ، و هنا لن نأخذ بما يتم تداوله ، و لكن في تحليل منطقي يمكننا القول أن العلاقة بين روسيا و سوريا استراتيجية ذات مصالح مشتركة ، فروسيا تبحث عن المياه الدافئة ، و تدرك تماما بأن خسارة سوريا لموقعها يعني خروج روسيا من الشرق الأوسط كاملا ، و بالتالي تبحث روسيا عن موطئ قدم يُمكنها من تفعيل خياراتها الاستراتيجية في الشرق الأوسط ، و جدير بالذكر أن روسيا و ايران متواجدين في سوريا بطلب من الدولة السورية .
الآن و في حال تجاوزنا السلبيات في العلاقة الراهنة بين روسيا وإيران, وانطلاقًا من تعاون البلدين في سوريا في ظل وجود عناوين اشتراك كبرى فإن العلاقة تأخذ شكلًا جديدًا يعتمد شكل الشراكة الاستراتيجية التي ستنحِّي تاريخًا طويلًا من انعدام الثقة بين الجانبين ، وذلك من خلال تعويم مقتضيات المصالح الاستراتيجية والجيوسياسية, وهذا بلا أدنى شك يُعتبر مكسبا مهما بالنسبة لإيران ويصب في صالح نفوذها الإقليمي ، هذا هو المنطق الذي يدافع عنه شقٌّ مهم من صنَّاع القرار السياسي المخضرمين في إيران ضمن تيار يتصدره وزير الخارجية الأسبق والمستشار الحالي للمرشد الإيراني في مجال الشؤون الدولية، د.علي ولايتي، الذي لا يرى حرجًا في الحديث عن علاقات استراتيجية مع روسيا لابد من دعمها وتدعيمها ويحمل قناعة راسخة بأن التعاون بين روسيا وإيران ودول أخرى في المنطقة هو ما سيحدِّد مستقبل وشكل المنطقة ، لكن هذا التفاؤل الإيراني يصطدم أحيانًا بإمكانية بروز شكل ما من تضارب المصالح في سوريا اعتمادًا على أن لكل من موسكو وطهران مشروعها الخاص في سوريا, لكن من الواضح أن صانع القرار الإيراني لا يرغب في العودة إلى الوراء والتفريط بما تحقَّق من شراكة استراتيجية بين طهران وروسيا انطلاقًا من سوريا.
إيران وروسيا تشتركان في العناوين الكبرى الخاصة بشكل وآليات الحل للأزمة السورية ، وفي أن التباين في التفاصيل ربما يكون سببًا في بروز تضارب في المصالح بينهما, لكنها ترى أن هذا الصراع على المصالح لن يكون كافيًا لإحداث خلافات استراتيجية حادَّة بين الجانبين على الأقل في المرحلة الراهنة ، و يمكن القول بأن الأهداف متقاربة والطرق متوازية ، و يبدو هذا الوصف هو الأكثر دقة حين نتحدث عن حدود التعاون الروسي الإيراني في سوريا, وكأن البلدين يتفقان على هدف مشترك في وقت يختار كل طرف طريقًا موازيًا لطريق الطرف الآخر لتحقيق ذلك, فأكثر ما يميز التعاون الروسي الإيراني في سوريا أنه جاء على قاعدة أن لكل منهما مصالح مختلفة عن الآخر لكنها ليست متضاربة بشكل حادٍّ وهذا مكَّن الطرفين من تحييد مصطلح التنافس بمعناه التصادمي وتغليب مصطلح الشراكة بوجهيه الاستراتيجي و الجيوسياسي .
إن أكثر ما يميز التعاون الإيراني الروسي في سوريا هو أنه تطوَّر خطوة خطوة بوتيرة تتناسب مع طبيعة التحديات وأهداف التدخل العسكري المباشر التي تبدو متقاربة إلى حدٍّ بعيد بين طهران وموسكو، ولأسباب تاريخية وجيوسياسية وأخرى تتعلق بالصراع على مناطق النفوذ يعارضان بشكل واضح توسع النفوذ الغربي في الشرق الأوسط ، ويعملان معا سواء كان ذلك اختيارًا أو اضطرارًا ضد أن تدخل سوريا دائرة النفوذ الغربي ، وانطلاقًا من هذا العنوان يتقاطع البلدان عند نقطة مفادها أن سقوط النظام السوري سينقل سوريا من حليف وساحة نفوذ مهمة إلى سوريا جديدة أقرب إلى الغرب ، و هذا لا يتناسب و طبيعة المصالح الجيوسياسية لكل من روسيا و ايران .




تعليقات الزوار