إغلاق
إغلاق
البحث
أبحث عن:
المواطنة والتّعدّدية السّياسيّة في سورية
الكاتب : بقلم : نبيل أحمد صافية | السبت   تاريخ الخبر :2018-03-03    ساعة النشر :11:08:00

المواطنة والتّعدّدية السّياسيّة في سورية
قبل الخوض في الحديث عن مفهومي المواطنة والتّعدّدية السّياسيّة بصورة مشتركة يتبادر إلى الذّهن مجموعة من الأسئلة ، ومنها : هل يكفي النّشيد الوطنيّ كلّ صباح في مدارسنا ليكون أبناؤنا الطّلاب يشعرون بانتمائهم لوطنهم ، ويكونوا مخلصين له ومتشبّثين به ومدافعين عنه وقت ينبغي الدّفاع ؟ وما علاقة المواطنة بالتّعدّدية السّياسيّة ؟..
الإحساس بالمواطنة هو شعور ينمو مع الفرد عبر المعرفة ومخاطبة الإنسان ووجدانه وتنمية إحساسه بالافتخار بوطنه وحضارته ، والمواطنة لغة مأخوذة من وطن ، والمصطلح لم يتشكّل بمفهوم محدد دفعة واحدة ، بل مرّ بمراحل تطوّر مختلفة ، وينظر إليه على أنّه علاقة قانونية بين الفرد المواطن وبين الوطن بما يمثّله من سلطة تنفيذيّة وتشريعيّة وقضائيّة ، وبذلك يمكن أن تعرّف المواطنة على أنّها نسبة الإنسان أو المواطن إلى البلد الذي ولد فيه ، أو هي انتساب جغرافيّ لموطن ما ، وهو يتمثّل تعلّقه ببلده وتراثه ومعتقداته ولغته وعاداته وأعرافه ، وبالتّالي فهي مجموعة من الحقوق والواجبات وأداة لبناء مواطن قادر على العيش بسلام وأمان وتسامح مع غيره على أساس تكافؤ الفرص والعدل بما يؤدّي إلى المساهمة في بناء الوطن والعيش المشترك بين مختلف أفراد المجتمع ، وأيّ خروج عنها يكون المرء بعيداً عن مفهوم المواطنة . وفي ضوء ذلك المفهوم وضمن سياق الحراك الاجتماعيّ والتّحوّلات الاجتماعيّة تُنسَجُ العلاقات الاجتماعيّة وتُتَبادَلُ المنافع ، وتُخلَق الحاجاتُ ، وتبرز الحقوق والواجبات والمسؤوليّاتُ الوطنيّة ، ونتيجة التّأثّر والتّأثير بينها تظهر المبادئ والقيم والعادات التي تصقل شخصيّة المواطن ممّا يمنحها خصائص تميّز ذلك الوطن عن غيره ، ولذا يصبح الموروث المشترك حمايةً وأماناً للوطن والمواطن ، ولمفهوم المواطنة أبعاد متعدّدة منها : بعدٌ قانونيّ يتطلّب تنظيم العلاقة بين الحكّام والمحكومين ، وبعدٌ اقتصاديّ اجتماعيّ يستهدف إشباع الحاجات المادّية الأساسيّة للبشر ، ويحرص على توفير الحدّ الأدنى اللازم منها ليحفظ كرامتهم وإنسانيتهم ، إضافة إلى البعد الثّقافيّ الحضاريّ ويٌعنى بالجوانب الرّوحيّة والنّفسيّة والمعنويّة للأفراد والجماعات على أساس احترام خصوصية الهويّة الثّقافيّة والحضاريّة ويرفض محاولات الاستيعاب والتّهميش والتّنميط .
وتتجلّى المواطنة في الانتماء : أيّ شعور الإنسان بالانتماء إلى مجموعة بشرية ما ، وفي مكان ما ( الوطن ) على اختلاف تنوّعه العرقيّ والدّينيّ والمذهبيّ ، ممّا يجعل الإنسان يتمثّل ويتبنّى ويندمج مع خصوصيات وقيم هذه المجموعة ، كما تتجلّى المواطنة في الحقوق : أي التّمتّع بحقوق المواطنة الخاصة والعامة كالحقّ في الأمن والسّلامة والصّحّة والتّعليم والعمل والخدمات الأساسيّة العموميّة وحرّيّة التّنقّل والتّعبير والمشاركة السّياسيّة ، كما تتجلّى في الواجبات : كاحترام النّظام العام والحفاظ على الممتلكات العموميّة والدّفاع عن الوطن والتّكافل والوحدة مع المواطنين والمساهمة في بناء وازدهار الوطن ، ولعلّ المواطنة تتجلّى في المشاركة في الفضاء العام :كالمشاركة في اتّخاذ القرارات السّياسيّة ( الانتخاب والتّرشيح ) وتدبير المؤسّسات العموميّة والمشاركة في كلّ ما يهمّ تدبير ومصير الوطن .
وممّا لاشكّ فيه أنّ مفهوم المواطنة لا يحمل في طيّاته معنى الانتماء لأيديولوجيّة سياسيّة محدّدة أو تكتّل سياسيّ واحد محدّد ، فالوطن للجميع ولكلّ أبنائه دون استثناء ، ولا يمكن بأيّ حال من الأحوال تهميش أحد من أبناء الوطن الواحد كونهم يحملون اسم الوطن ، وإلّا يعدّ ذلك خروجاً على قيم الوطن وأهدافه ورؤاه ، وأستطيع القول : تسقط عن ذلك الإنسان الذي ينفي صفة المواطنة عن غيره بأنّه استئثار وإقصاء وهذا غير مشروع في مفهوم المواطنة ولا تنطبق عليه ، وربّما تنطبق عليه مقولة ممارسة الإرهاب الفكريّ والإيديولوجي .
وتَبَعاً لما سبق فإنّ التّعدّدية السّياسيّة هي سمة أساسيّة وملازمة لصفة المواطنة وتتماشى معها ولا تحيد عنها ، ومن المعلوم أن سوريّة تعيش حاليّاً عصر التّعدّديّة السّياسيّة بوجه جديد ورؤى متباينة بين حزب وآخر ، ولكلّ حزب أهدافُه وتطلّعاته ومبادئه ، وهي منتشرة فوق ثرى وطننا الحبيب ، وقد تمّ ترخيصها في ضوء قانون الأحزاب رقم مئة لعام 2011 الذي أصدره السّيّد الرّئيس بشّار الأسد رئيس الجمهوريّة العربيّة السّوريّة ، بعد أن تمّ حذف المادة الثّامنة من الدّستور ، وإن بقيت على الأرض دون حذف وفاعليّتها موجودة بقوّة والأمثلة على ذلك كثيرة جدّاً في ضوء الواقع الحالي الذي يشهده أيّ مواطن في الجمهوريّة العربيّة السّوريّة ، فبعض المسؤولين السّياسيين أو الإداريين مازالوا يدّعون ويعتبرون أنّ وزاراتٍ في الدّولة هي حكر على هذا الحزب أو ذاك كما فعل الحزب الحاكم في مجال وزارة التّربية أو الثّقافة وغيرهما في تسلّم أي منصب أو سواه ، وبعضهم خصّ حزبه فقط بالمواطنة ونفاها عن غيره ، وكلّ هذا يتنافى مع ما جاء في المنطلقات النّظريّة والقوانين الخاصة لحزب البعث العربيّ الاشتراكيّ وما جاء في مواد الدّستور وخصوصاً المادة الثّامنة التي تمّ تعديلها وتضمّنت الإشارة للتّعدّدية السّياسيّة والمادة السّابعة وغيرها من القانون الأساسيّ للعاملين في الدّولة لعام 2004م ، وسؤالنا : هل هذا من صلب المواطنة والتّعدّدية السّياسيّة واستراتيجيّاتها أو يتماشى مع سياسة الإقصاء وإلغاء الآخر ؟ ،وقد أشار رفيقنا أحمد مصطفى الكوسا الأمين العام للحزب الدّيمقراطيّ السّوريّ إلى أنّ " الوطن ليس أنا أو أنت ، بل الوطن أنا وأنت ، وإنّ أركان النّظام الدّيمقراطيّ هي الدّولة والمواطنة والانتخابات وحرّيّة الرّأي وحرّيّة التّنظيم والقضاء المستقل وفصل السّلطات وتمكين المرأة " .
ومن المعلوم أنّ القوانين السّوريّة وقرارات حزب البعث تشير إلى الكفاءة والشّهادة العلميّة والنّزاهة في التّكليف ، ولا تشير إلى أيّ انتماء حزبيّ محصور لجهة حزبيّة معيّنة للحزب الحاكم أو سواه ، وبالتّالي فإنّ تخصيص الوزارات بحزب معيّن يتعارض مع مفهوم المواطنة والتّعدّدية السّياسيّة ، كما تتعارض هذه الأفعال مع ما نصّ عليه المرسوم التّشريعيّ الذي أصدره السّيّد الرّئيس عام 2011 القاضي بفصل الحكومة عن السّياسة ( أي الأحزاب والانتماء السّياسيّ ) ، فمتى نرى فصلاً ومن سيحاسِب مَن يخالف التّعليمات ومتى ؟ .
وبصورة عامة تعمل مختلف الأحزاب السّياسيّة المرخّصة في ضوء قانون الأحزاب لخدمة سورية ومواطنيها ويتجلّى ذلك في النّاحية السّياسيّة ، وهي تسعى للعمل وفق مبدأ التّشاركيّة والتّعدّديّة السّياسيّة وإذا أرادت سورية أن تعيد بناء ذاتها حقّاً فعليها أن تعمل هي ذاتها من أجل تضافر الجهود بين مختلف أبنائها وليس الإقصاء لأحد على خلفية الاقتصار على فئة حزبيّة محدّدة ذات اللون الواحد والطّابع الواحد لتغدو وفق مبدأ التّشاركيّة بعيداً عن الإقصاء لأحد في مختلف المجالات السّياسيّة والاقتصاديّة والتّربويّة والخدميّة وتغيير كثير من قوانين الدّولة لتتماشى مع الواقع السّياسيّ الجديد لسورية ، ولا بدّ من إعادة بناء الإنسان من النّاحية الأخلاقيّة ، ووضع خطط استراتيجيّة تؤدّي لبناء المجتمع ، وأن تعيد للمجتمع تماسكه ووحدته بعيداً عن حالات التّنافر التي أضحت سمة مميّزة له في ظلّ الأزمة ، ولابدّ من إعادة هيكلة الدّولة من جديد ، ولا بدّ من تطوير الأهداف التّعليميّة والتّربويّة لتكون منسجمة مع الواقع الرّاهن بحيث تغطّي الجوانب السّياسيّة الرّاهنة والتّعريف بالمفاهيم والمصطلحات التي باتت منتشرة ومطروقة أيضاً في الشّارع السّوريّ والمنطقة عموماً كالقتل والإرهاب الذي بات سمة أساسية في الشّارع السّوريّ ولم يكن يألفه شارعنا والتّربية تنهج نحو الخراب وتؤسّس له ، وكثيرون يخرّبون باسم الوطن وحمى الله جيشنا من دنسهم وسؤالنا لمقام رئاسة الجمهورية أين حساب مخرّبي العقول والنّهج الفكريّ والتّربويّ والعقائديّ لأبنائنا في سورية ؟.
ولا تغيب عن أذهاننا كلمات القائد الخالد حافظ الأسد في ثمانينيّات القرن الماضي عن الوطن :
" الوطن غالي ، والوطن عزيز ، والوطن شامخ ، والوطن صامد ، لأنّ الوطن هو ذاتنا ! فلندرك هذه الحقيقة ، ولنحبّ وطننا بأقصى ما نستطيع من الحبّ ، وليكن وطننا هو المعشوق الأوّل الذي لا يساويه ولا يدانيه معشوق آخر .. فلا حياة إنسانيّة من دون وطن ، ولا وجود إنساني من دون وطن ".
بقلم : نبيل أحمد صافية
عضو المكتب السّياسيّ والقيادة المركزية في الحزب الدّيمقراطيّ السّوريّ .
وعضو اللجنة الإعلاميّة المنبثقة عن مؤتمر الحوار الوطنيّ في الجمهوريّة العربيّة السّوريّة .




تعليقات الزوار