إغلاق
إغلاق
البحث
أبحث عن:
الحراك الاجتماعي في المغرب ونهاية منطق التسوية السياسية من فوق.
الكاتب : الحدث اليوم | الاثنين   تاريخ الخبر :2018-01-08    ساعة النشر :15:48:00

الحراك الاجتماعي في المغرب ونهاية منطق التسوية السياسية من فوق.
محمد امباركي

إن تفاقم الأزمة الاقتصادية و الاجتماعية و اتساع خريطة الاحتقان الاجتماعي و تكريس الإجابة القمعية كخيار سياسي ثابت في مواجهة الاحتجاجات، كلها معطيات تؤكد بالملموس أن الدولة تعاني عجزا بنيويا ليس في إيجاد بدائل اقتصادية و تنموية لإخراج مناطق متعددة من تهميش كاد يحولها الى مناطق منكوبة ( سيدي إفني، بوعرفة، الريف، زاكورة، جرادة...)، بل في بلورة الحدود الدنيا على أرض الواقع لحلول اجتماعية تحفظ الحد الأدنى من الحقوق الأساسية و كرامة العيش، و بالتالي لا يكفي الإقرار بفشل "النموذج التنموي" للتغطية على هذه الحقيقة لأن عدم قدرة أية دولة في حل المعضلات الاقتصادية و الاجتماعية يحولها بالضرورة الى دولة بوليسية تعوض فشل المخططات و البرامج و المبادرات التنموية باستراتيجية أمنية خالصة قائمة على القمع و التخويف و تجريم الاحتجاج ضدا على التشريعات و القوانين التي لم يضعها غير تلك الدولة نفسها...هنا يكمن مأزق " الديمقراطية " السائدة من حيث أنها ديمقراطية غير مبنية على التوزيع العادل للثروة و السلطة بما يمكن من خلق مغرب يسير بسرعة واحدة و ليس بسرعتين، سرعة السلحفاة بالنسبة للطريق المؤدية الى كرامة العيش و الحرية و العدالة الاجتماعية التي تظل حلما بعيد المنال لأوسع الفئات الاجتماعية المسحوقة، في مقابل سرعة القطار الفائق السرعة
(TGV) بالنسبة لوتيرة النهب و مراكمة الامتيازات و الغنى و الثروة المادية و الرمزية لأقلية طبقية مهيمنة على السلطة الاقتصادية و السياسية.
لكن المعضلة هنا لا تكمن فقط في أزمة النظام السياسي و الاقتصادي، بل أيضا في أزمة البديل السياسي و الاجتماعي المؤهل لترجمة الأجوبة المناسبة إزاء تداعيات و نتائج و ضحايا توجهات النظام اللاشعبية، أي في القوى السياسية و الاجتماعية القادرة على دفع أزمة النظام الى مداها الأقصى بما يؤدي الى الصياغة الموضوعية و الواعية لمقاومة اجتماعية منظمة تجعل من الخيار السياسي الأمني جوابا مأزوما أمام فعل احتجاجي مسنود سياسيا و اجتماعيا...
إن التجربة التاريخية على الأقل تثبت أن النظام السياسي نجح في قمع كل الانتفاضات و الاحتجاجات الجماهيرية إما في مهدها أو بعد فترة انتظار و ترقب و مراهنة على خيارات أخرى كما هي حالة حراك الريف ( الحوار، التخوين، المسجد، الوساطة،...).
للأسف رغم التضحيات الجسام للقوى الديمقراطية و اليسارية في محاولة فرض مكتسبات حقيقية من داخل حراكات اجتماعية و سياسية كحركة 20 فبراير، يتكمن النظام السياسي في كل مرة و حين من إجهاض عوامل الصمود و الاستمرارية من خلال القمع و التحييد السياسي و الاجتماعي للحركة النقابية و إغراق جزء من قوى الصف الوطني و الديمقراطي في منطق التوافقات و التسويات السياسية من الأعلى...من هنا يجب في اعتقادي أن نستوعب حقيقين و نتعلم منهما الدروس :
الحقيقة الأولى هي أن منطق التوافق و التسويات الذي طبع الحقل السياسي في مراحل متعددة أي ما شخصه الشهيد المهدي بن بركة بأنصاف الحلول لم ينته إلا الى "ديمقراطية " منقوصة و محروسة بعناية من خلال تمييع الحقل السياسي و تأثيثه بنخب " فرجوية " ودعم قوى سياسية رجعية و خلق أدوات حزبية و جمعوية مخزنية و تعميق و تغذية واقع اللامبالاة و العزوف و الربط المنهجي و المرئي بين السياسة و المصلحة أي جعل الممارسة السياسية مجالا للانتهازية و الوصولية و تحقيق المصلحة الفردية...
الحقيقة الثانية هي أن الحقل الاجتماعي الذي تميزه هوة طبقية ساحقة و تعاني معظم فئاته من التفقير و التهميش و البطالة و الإقصاء في ظل منطق سياسي توافقي بدون مردودية اجتماعية تستفيد منها تلك الفئات الواسعة و ليس نخب محدودة قد تخضع للترغيب و الإرشاء، يلجأ هذا الحقل الى الاحتجاج و الرفض و التمرد، أي جوابا على منطق التسوية و التوافق يلجأ الى منطق الانتفاضة و الحراك الذي ينتج قياداته و برامجه و دفاتره المطلبية في ظل حذر شديد من الفاعل السياسي برمته دولة و أحزابا و نقابات و بالتالي هنا يجد خطاب " الدكاكين السياسية " مشروعيته أي الخطاب المضاد للأحزاب السياسية و الإطارات النقابية و الجمعوية و وضعها في سلة واحدة و لو أن هذا الخطاب يعتمد نوعا من التعميم القاسي و غير الموضوعي...
في الواقع ، فقد الحقل الاجتماعي العديد من مقومات المواجهة و الممانعة في ظل تدبير الصمود ليس إلا - طبعا لهذا الصمود أهمية كبيرة حتى لا يتم السقوط في منطق التبخيس و التسفيه و بالتالي اليأس ثم الإحباط الفردي و الجماعي -، بمعنى أن التعبير السياسي و الاجتماعي و الثقافي المؤهل لحمل مشعل المقاومة السياسية و الاجتماعية قد فقد العديد من الجبهات الصراعية التي تعتبر من صميم هويته الفكرية و البرنامجية و التنظيمية. و هكذا توارت الحركة النقابية الى الخلف و انتقلت من تأطير الاحتجاج الاجتماعي دعما لزمن سياسي غير مهادن الى نوع من الانغلاقية المسيجة بجدار بيروقراطي سميك يغطي في الواقع ضعفا ملحوظا في انتزاع الحد الأدنى من المكاسب المادية و المعنوية أو في مواجهة مخططات و إجراءات لا شعبية تم تمريرها ( إصلاح التقاعد، المقاصة، العمل التعاقدي، الخوصصة المستمرة للقطاعات الاجتماعية الحيوية في مجال الصحة و التعليم الذي أصبح الحديث عن مجانيتهما ضربا من الخيال...) وإجراءات أخرى في طريق التصريف ( مشروع القانون المنظم للإضراب...)، حركة طلابية تتخبط في أزمة ذاتية عميقة منذ المؤتمر 17 لأوطم، حركة جمعوية انخرطت بشكل غير مشروط في تنمية بدون ديمقراطية، حركة نسائية ظلت مدينية و نخبوية غير قادرة على الوصول الى نساء و رجال الدواوير و المداشر القروية ،حركة حقوقية تجتر أعطابا ذاتية على مستوى الرؤية و آليات الاشتغال و موضوعية من خلال الحصار المخزني و العوائق السوسيوثقافية التي يغذيها الفكرالمحافظ السائد..

عموما إن الهوة تتسع بين الحقل الاجتماعي و الحقل السياسي على الأقل منذ نهاية التسعينات، بين حقل يعرف تحولات اقتصادية و ديمغرافية و سوسيوثقافية و قيمية متسارعة يوازيها




تعليقات الزوار