إغلاق
إغلاق
البحث
أبحث عن:
الحساسية للجلوتين، ليست أبيض أو أسود
الكاتب : حدث اليوم | الجمعة   تاريخ الخبر :2017-06-02    ساعة النشر :09:04:00

وصف مرض السلياك لأول مرة في القرن الأول الميلادي من قبل طبيب يوناني اسمهAretaeus ، ولكنه لم يكن مُعروفا بتاتا أنه ناتج عن مشكلة مناعية ذاتية حتى سنة 1950 أي بعد عدة قرون من اكتشافه، حيث تمكن طبيب الأطفال الهولندي Willem Dicke من أن يثبت أن الجلوتين هو السبب الرئيسي للمشكلة بشكل قاطع. وكان لهذا عظيم الأثر في إنقاذ الملايين الذين عانوا من هذا المرض: مشاكل هضمية، سوء التغذية وضعف النمو، السرطان، مشاكل نفسية وعصبية كثيرة وحتى الوفاة.

ومنذ ذلك اليوم وحتى الآن لا زالت تقتصر النظرة على عدم تحمل الجلوتين على الأبيض أو الأسود: بمعنى أنه أما أن تكون مصابا بالسلياك، بحيث أن لقمة تحتوي على الجلوتين سوف ترسلك إلى الحمام خلال ثوان معدودة، وأما أن لا تكون مصابا فيمكنك الإستمتاع بالفطائر طوال اليوم دون قلق أو خوف! هذه النظرة جعلت الأطباء يخبرون مرضاهم الذين يشعرون بأن لديهم حساسية للجلوتين ومع ذلك يأتي فحص السلياك لديهم سلبيا أنهم موهومون وليس عندهم الحساسية، وهذا أبعد ما يكون عن الصواب وسوف نرى لماذا؟

لأن الحساسية للجلوتين لها ألوان كثيرة:

حتى نفهم الكلام الآتي لا بد أن نعرف قليلا عن تركيب القمح وهضمه في الجسم. يحتوي القمح على عدة أنواع من البروتينات. يتكون الجلوتين في بذرة القمح من بروتينين رئيسيين هما الجلايادين Gliadins والجلوتينين glutenins وهما بالمناسبة البروتينين المسؤولين عن انتفاخ الخبز، وهناك أربعة أنواع فرعية من الجلايادين نفسه. هذا عدا عن أنواع أخرى من البروتينات مثل الأجلوتينين agglutinins والبرودينورفين prodynorphins . بعد وصول القمح إلى الأمعاء يفرز نوع خاص من الأنزيمات الضرورية لهضم مركبات القمح واسمها transglutaminases (tTG). وينتج عن عملية الهضم بواسطة هذه الإنزيمات بروتينات جديدة مثل deamidated gliadin وgliadorphin. "لا تقلقوا فليس عليكم تذكر كل هذه الأسماء فقط للعلم"

لماذا أخبرتكم بكل هذا الكلام؟

حتى نفهم نقطة معينة: مرض السلياك ينتج عن رد فعل مناعي ضد واحد فقط من هذه الأنواع وهو أحد أنواع بروتين الجلايادين "alpha-gliadin" وضد نوع واحد من الأنزيمات التي تفرز لهضم القمح وهو "transglutaminase (tTG-2)". وبالتالي فإن فحص السلياك سوف يكون إيجابيا فقط في حالة وجود أجسام مضادة لهذا النوع بالذات. ولكننا نعلم الآن تماما من دراسات كثيرة أن الناس يمكن أن يكونوا حساسين لأي واحد من البروتينات التي ذكرتها فوق وتظهر عليهم الأعراض دون أن يتضح ذلك بأي شكل من الأشكال في فحص حساسية الجلوتين وهذه في الحقيقة مشكلة كبيرة! فيمكن أن تكون لديك حساسية شديدة من الجلوتين ومع ذلك لا يظهر ذلك في الفحص التقليدي لأنك تتحسس لعناصر أخرى في الجلوتين غير تلك التي يستطيع أن يكتشفها الفحص.

إذن الموضوع أكبر بكثير من مجرد مرض السلياك!

فالسلياك هو قمة الجبل الجليدي فقط وما خفي أعظم، وحتى السلياك لا يشخص بالشكل الكاف على الإطلاق. وهو واحد فقط من بين الحساسيات الكثيرة الممكنة للجلوتين. هذه الحساسيات يشار إليها ب Non-Celiac Gluten Sensitivity أو NCGS يعني الحساسية للجلوتين غير السلياك، وهي حالة مختلفة عن الحساسية للقمح نفسه. هذه الحساسية تشفى عند استبعاد الجلوتين من الغذاء وهي، بعكس السلياك، لا يمكن معرفتها عن طريق الفحص بل عن طريق الأعراض ومن ثم شفائها بنجاح تجربة استبعاد الجلوتين من الغذاء.

يعتقد بأن السلياك قد يصيب حتى 1% من الناس غير أن مدى انتشار الحساسية للجلوتين غير السلياك غير معروفة بشكل تام ولكن يعتقد بأنها قد تطال 5% من الناس بسبب عدم وجود فحص خاص لها وبسبب تنوع الأعراض التي تنتج عنها والتي من الممكن ألا تربط بالحساسية من الجلوتين بل يتم ربطها بعوامل أخرى. فغالبية الناس تعتقد بأنه لا بد من وجود مشاكل هضمية تصاحب عدم تحمل الجلوتين غير أن حوالي 50% من الذين يشخصوا بالسلياك لأول مرة ليس لديهم أي أعراض هضمية بتاتا! ولهذا السبب بالذات تبقى معظم حالات السلياك غير مكتشفة لأنها لا تسبب أعراضا واضحة على الجهاز الهضمي.

إذن الأعراض ليس بالضرورة أن تشمل الجهاز الهضمي ولكنها ممكن أن تطال أي جهاز في الجسم: الدماغ، الجلد، المعدة والأمعاء، الكبد، الغدد الصماء، العضلات والمفاصل... فالآن يعتقد أن الحساسية للجلوتين سواء السلياك أو الغير سلياك تلعب دورا كبيرا في عدد كبير من المشكلات من الإنفصام والصرع إلى المشاكل الجلدية والصدفية إلى السكري من النوع الأول والهاشيموتو إلى هشاشة العظام واعتلال الأعصاب. وبسبب أن الأعراض متنوعة جدا تشمل أجهزة كثيرة في الجسم يغفل المرضى والأطباء عن الشك أنه قد يكون للجلوتين دورا في هذه المشاكل ويوعزون هذه المشاكل إلى أسباب أخرى!

ما أفضل طريقة للكشف عن عدم احتمال الجلوتين؟

بسبب قدرة الفحص المحدودة جدا على اكتشاف نوع واحد فقط من الحساسية للجلوتين يبقى اختبار استبعاد الجلوتين من الغذاء Gluten-Free Challenge هو الطريقة الأمثل لاكتشاف المشكلة. وهذا معناه أن تستبعد الجلوتين من طعامك نهائيا لمدة ثلاثين يوما على الأقل ثم تأكله مجددا، فإذا تحسنت الأعراض لديك أثناء فترة الإستبعاد ثم عادت من جديد بعد عودتك للجلوتين يمكن أن تتيقن أن عندك حساسية للجلوتين. وهذا النقل بالنص لكلمات الدكتور Thomas O’Bryan وهو خبير معروف عالميا بالحساسية للجلوتين والسلياك:

“You do a test, it comes back negative but you know when you stop eating gluten you feel better. And the doctor says ‘It’s OK to eat gluten the test is negative’ NOTHING COULD BE MORE WRONG … You feel better when you’re not eating gluten THEN don’t eat gluten.”

وهذه الترجمة: " إذا أجريت الفحص وعادت النتيجة بالسلب ولكنك متأكد أنك تشعر أفضل عند امتناعك عن الجلوتين. والطبيب يقول لك أن بإمكانك أن تأكل الجلوتين لأن نتيجة الفحص سالبة فهذا بعيد جدا عن الصواب... إذا كنت تشعر أفضل عندما تمتنع عن الجلوتين فمعنى ذلك لا تأكل الجلوتين"

 

من الجدير بالعلم أن بعض الحبوب التي لا تحتوي على الجلوتين مثل الذرة والشوفان والأرز تحتوي على بروتينات مشابهة قد تسبب استفزاز جهاز المناعة عند كثير من الذين يعانون من حساسية الجلوتين سواء السلياك أو غير السلياك. وحوالي 50% منهم لديهم حساسية للكازيين casein وهو بروتين الحليب. وهذا هو السبب الذي يفسر أن حوالي 30% من المصابين بالسلياك يبقى لديهم بعض الأعراض بعد استبعاد الجلوتين. لذلك قد يكون من الحكمة استبعاد الحبوب جميعها والحليب ومشتقاته أثناء فترة إستبعاد الجلوتين للحصول على أفضل نتيجة!

إذا كنت تعاني من أي من المشاكل التي ذكرتها من قبل أو آلام المفاصل، ضبابية التفكير، والتعب، والتهاب الجلد (الطفح الجلدي)، وكذلك الإمساك، الانتفاخ والغازات، الإسهال، ونقص التغذية، الخ فالأمر يستحق بكل تأكيد أن تعرف إذا كانت لديك حساسية للجلوتين. هل أجرى أحد منكم أو لأطفالكم فحص السلياك؟ وهل جرب أحد منكم فكرة استبعاد الجلوتين؟ وهل أفادكم هذا الكلام؟ ما الذي يمنعكم من تجريبه إذا كنتم تعتقدون أن الجلوتين يسبب لكم المشاكل؟




تعليقات الزوار