إغلاق
إغلاق
البحث
أبحث عن:
لماذا تموت الامهات؟\زياد خداش
الكاتب : الحدث اليوم | الاحد   تاريخ الخبر :2017-04-02    ساعة النشر :09:44:00

لماذا تموت الامهات؟

لماذا تموت الأمهات؟ إنه السؤال الوجودي الكبير المقدّر لكل منا أن يسأله ذات يوم. هو أب الاسئلة كلها، سنسأله والدموع تخنقنا والعجز عن فعل أي شيئ يشملنا، وأعماق الوسادة الليلية تستضيف بطراوتها الواقية الحميمة وجوهنا المضطربة غير المصدقة، إذ كيف يموت كائن اللفظة الأولى والصوت الأول والقطرة الأولى والحضنة الأولى والظل الأول؟؟؟ كيف يختفي فجأة مركز الوداعة ليصبح هامشا، ومصنع الشفافية ليصبح مرآبا؟؟

هذا ليس كلاما في مديح الأمهات والأمومة، هو أقرب الى محاكمة خفيفة لخلل وجودي محير، هو ممارسة للسؤال في أشّد حالاتها عجزا عن الإجابة، وفي أعمق انتصاراتها الوهمية عبر الكتابة، هو شكوى حزينة لرب المصائر و عريضة انهيار لسيد الأعمار، هي مرافعة بريئة هشة أمام قاضي الوجود الصارم،. يقولون أن بالإمكان القبض على الزمن عبر الفنون، أنا لا أستطيع أن أتصوّر أمي لوحة أو نصا أو رواية أو قصّة، هل للوحة صوت صباحي دافئ يوقظني فجرا لأذهب إلى عملي؟ ويد عبقرية خشنة تتحسس ذقني اثناء نومي لترى إن كنت أحتاج حلاقة لتسخّن لي الماء،؟ هل للنص عيون واسعة تتحرك في الغرف بحثا عما يعرقل خطوي وخطو إخوتي؟ هل للروايات رائحة مثل رائحة أمهاتنا اللذيذة؟؟ تلك الرائحة الحريفة التي لا شبيه لها، هي مزيج من سماء وماء، إنها رائحة الكون، رائحة الحب الخالص. إننا في الواقع لا نملك سوى أن نسأل هذا السؤال: لماذا تموت الأمهات؟ إنه من نفس سلالة الأسئلة الكبيرة التي وقفت أمامها البشرية على مختلف مراحلها صامتة ومحدقة وجامدة مثل، إلى أين نحن ذاهبون؟ ومن أين أتينا؟ وماذا تعني الحياة؟ وكيف السبيل إلى الخلود؟ وما هو الزمن؟

لم تمت أمي بعد، أتمنى لها أن تعيش ألف عام ،لكنها ذات نكبة ستذهب بعيدا إلى غير رجعة وسأواجه بذهول نفس السؤال: لماذا تموت الأمهات، أمهات أصدقائي وصديقاتي يمتن، يتساقطن كما الملابس الخفيفة من على حبل غسيل، كانت ملاقطه متينة ذات يوم، لكن قوة الإعصار كانت أقوى من الملاقط والحبال، والبيوت وحتى الجبال. ماذا أقول لرنا التي ماتت أمها؟ هل تكفي عظّم الله أجركِ؟ هل تكفي دموعي القليلة وشدّة يدي المرتبكة؟ بالتأكيد لا تكفي ولا تشفي عطش الروح إلى جواب كبير بحجم السؤال الأعظم: لماذا تموت الأمهات؟ لماذا لا يتحولن إذا كان لا بد من الاختفاء إلى شكل آخر من أشكال السماء أو الماء أو أشكال تتحرك بيننا، تراقبنا، تسامحنا، تحبنا، تتلصص على مرضنا وفشلنا، تدعو لنا بخلو الطرق من الاحتلال وبامتلائها بالنجاحات، حين نخطئ كعادتنا تصدر لنا صوت تأنيب خفيف، أو إشارة عدم رضى بالحاجبين العاليين، حين نتزوج وننجب يلحقنا فضولها الرائع وتدخلها المقدس في كل شيئ. حين نكبر ونهرم تأتينا في الليل العميق لتتحسس أوجاعنا وتشد علينا اللحاف، إن سحل عن السرير بفعل رفسنا بالاقدام والأيادي، داسّة أقدامنا الصغيرة والكبيرة تحته ،تغلي لنا البابونج. وتصدر صوتا حبيبا يشبه الله أو الضمير:راح تتحسن يما، اخرق بس في الفرشة ودفي حالك منيح.




تعليقات الزوار